مكتبة الإسكندرية القديمة: العظمة التاريخية والمصير الغامض
يجيب هذا المقال عن سؤال: كيف كانت تبدو مكتبة الإسكندرية القديمة وما مصيرها التاريخي؟
كانت مكتبة الإسكندرية كبرى مكتبات العالم القديم ومركزاً للعلم، وتعددت الروايات حول أسباب تدميرها ونهايتها التاريخية بين الحرائق الرومانية والصراعات لاحقاً.
النشأة والتأسيس والملامح المعمارية للمكتبة العظمى
تُعد مكتبة الإسكندرية القديمة، التي عُرفت باسم مكتبة الإسكندرية الملكية أو المكتبة العظمى، كبرى مكتبات عصرها وشُيِّدت في العصر البطلمي. يُنسب التأسيس في بعض الروايات إلى بطليموس الأول، بينما تُشير روايات أخرى إلى أن الإسكندر الأكبر وضع فكرتها، كما تُرجع مصادر أخرى تأسيسها إلى بطليموس الثاني في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وتحديداً خلال الفترة بين عامي 285 و247 قبل الميلاد. تكوّنت نواة المكتبة على يد ديمتريوس الفاليري اليوناني أثناء وجوده في بلاد اليونان، إذ عمل مستشاراً لبطليموس الأول وأسهم في تنظيم المكتبة ووضع أسسها، وجرى إعداد تخطيط معماري وموضوعي يعكس الفكر اليوناني وعلوم العصر.
بُنيت المكتبة في الحي الملكي المسمى بروشيون ضمن مؤسسة الموسيونيون الكبرى، واحتوت على عدد هائل من الكتب والمخطوطات وصل إلى نحو 700 ألف مجلد شملت أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو. تضمنت من الناحية المعمارية مجموعة من اللفائف، والأعمدة اليونانية، وممشى، وغرفة لتناول الطعام المشترك، وغرفة للقراءة، وقاعات للاجتماعات، وحدائق، وقاعات محاضرات لتشكل نموذجاً مبكراً لجامعة حديثة. احتوى أحد القاعات على رفوف لمجموعات لفائف البردي المعروفة باسم بيبليوثيكاي، وذكرت الأوصاف الشعبية وجود نقش فوق الرفوف يعبر عن مكان شفاء الروح بكونها خزائن للعلوم.
ترجع شهرة مكتبة الإسكندرية إلى كونها أقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم، ومثلت تمازجاً علمياً والتقاء ثقافياً وفكرياً بين علوم الشرق وعلوم الغرب لتغدو نموذجاً مبكراً للعولمة الثقافية. تميزت المكتبة باحتوائها على علوم الحضارتين الفرعونية والإغريقية، واستفادت من موقعها في مركز صناعة البردي وأدوات الكتابة في مصر، وتزيّنت بأهمية القائمين عليها إذ فُرض على كل عالم يدرس فيها أن يودع نسخة من مؤلفاته. كما تميزت بتحرر علمائها من قيود السياسة والدين والجنس والعرق، ليكون العلم فيها موجهاً للبشرية جمعاء دون سؤال الوافد إلا عن علمه.
التوسع والتنظيم وسياسات جمع المخطوطات
عمل الحكام البطالمة على توسيع مجموعات المكتبة عبر سياسة عدوانية ومמוولة جيداً لشراء الكتب، وأرسلوا وكلاء ملكيين بأموال ضخمة لجمع ونيل أكبر عدد ممكن من النصوص عن أي موضوع وبواسطة أي مؤلف. فُضلت النسخ الأقدم من النصوص على الجديدة بافتراض أنها تخضع لنسخ أقل وتشبه النص الأصلي بدقة أكبر، وشمل هذا البرنامج رحلات إلى أسواق الكتب في رودس وأثينا. ذكر الكاتب الطبي اليوناني جالينوس أنه بناءً على مرسوم بطليموس الثاني، كانت أي كتب على السفن الوافدة إلى الميناء تُنقل إلى المكتبة لنسخها بواسطة النساخ الرسميين، مع الاحتفاظ بالنصوص الأصلية وتسليم النسخ لأصحابها.
ركزت المكتبة بشكل خاص على الحصول على مخطوطات قصائد هوميروس التي مثلت أساس التعليم اليوناني وتلقت التقدير الأكبر، فحصت المكتبة العديد من المخطوطات ووضعت علامة على كل نسخة لتحديد مصدرها. إلى جانب جمع الأعمال التاريخية، عملت الموسيونيون كمأوى لعدد كبير من العلماء والشعراء والفلاسفة والباحثين الدوليين الذين حصلوا على رواتب ضخمة وطعام وسكن مجانيين وإعفاء من الضرائب. تمتع هؤلاء العلماء بقاعة طعام دائرية كبيرة ذات سقف مقبب لتناول وجباتهم بشكل جماعي، إضافة إلى غرف صفية عديدة للتدريس للطلاب.
شغل منصب الإدارة والتنظيم نخبة من أبرز علماء العصر، وكان أول أمين سجل مسجل هو زينودوتوس الأفيسي الذي عمل على تأسيس نصوص قانونية لقصائد هوميروس والشعراء الغنائيين اليونانيين الأوائل، وأنشأ مسردًا للكلمات النادرة مرتبًا حسب الترتيب الألفبائي. تلاه الشاعر والشاعر كليماخوس الذي جمع بيناكس، وهو فهرس مكون من 120 كتاباً لمختلف المؤلفين وأعمالهم المعروفة مقسماً إلى أقسام متعددة حسب الأنواع الأدبية. استقطبت المكتبة أسماء لامعة أخرى مثل أبوللونيوس الرودسي وإراتوستثيس البرقاوي وأريستوفانيس البيزنطي وأسترخس السمدركي الذين أداروا المكتبة وقدموا إسهامات علمية جليلة في مجالات متعددة.
التراجع التاريخي والاضطرابات السياسية الأولى
بدأ تأثير مكتبة الإسكندرية بالتراجع تدريجياً على مدار عدة قرون بدءاً من تطهير المثقفين من الإسكندرية في عام 145 ق.م خلال عهد بطليموس الثامن فايسكون. نتج عن هذا التطهير استقالة أريستوفانيس السمدركي رئيس أمناء المكتبة ونفيه إلى قبرص، وهرب علماء آخرون مثل ديونيسيوس تراكس وأبولودورس الأثيني إلى مدن أخرى لمواصلة التدريس والبحث العلمي. أدى نقص التمويل والدعم خلال الفترة الرومانية إلى تقلص حجم المكتبة، وظهر أن عضويتها توقفت بحلول ستينيات القرن الثالث الميلادي.
مع ذلك، ربما نجت المكتبة الأصغر المرتبطة بها في سيرابيوم بعد تدمير المكتبة الرئيسية.
ساهمت الاضطرابات والحروب المستمرة في إضعاف البنية التحتية للمؤسسة العلمية، وتشتت العلماء والباحثون في مدن حوض البحر المتوسط المختلفة، مما أنهى العصر الذهبي للبحث الموسيوني المنظم. انعكس هذا التراجع على غياب الموارد المالية الكافية لصيانة المخطوطات القديمة وتوفير النسخ الجديدة، ليقترب الفصل الأخير من عمر المكتبة العظمى عبر سلسلة من الأحداث الكارثية والمناقشات التاريخية المعقدة.
الحريق الأول في عهد يوليوس قيصر
أشارت مصادر أخرى إلى قدرة الإدارة البطلمية والرومانية اللاحقة على ترميم الأجزاء المتضررة وتعويض بعض المخطوطات المفقودة من خلال جلب نسخ جديدة من مراكز إقليمية أخرى.
استمرت الأنشطة العلمية المحدودة لفترة قصيرة بعد الحريق في ظل الدعم الروماني المتقلب، ورغم الصعوبات المالية والسياسية التي واجهت المدينة، بقيت الذاكرة الثقافية للمكتبة حية في كتابات المؤرخين المعاصرين لتلك الفترة. مهدت هذه الأضرار المتلاحقة لتآكل البنية المؤسسية للمكتبة وتراجع دورها الريادي بوصفها منارة للعلوم الكونية حتى الاضمحلال النهائي في أواخر العصر الروماني.
الروايات التاريخية حول المصير النهائي للمكتبة
تعددت النظريات وتضاربت المصادر حول النهاية التاريخية الكاملة لمكتبة الإسكندرية بين تدمير الإمبراطور ثيودوسيوس الأول في عام 391 ميلادية للمعبد التابع، والنظريات التي تحدثت عن صمود أجزاء منها حتى الفتوحات الإسلامية. ظهرت في التراث الإسلامي لاحقاً رواية تتهم القائد العربي عمرو بن العاص بإحراق كتب المكتبة بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، وذلك عبر الحوار المنسوب بين عمرو بن العاص وعالم اللاهوت المسيحي يوحنا النحوي، حيث رُد بأن ما وافق كتاب الله فغنى عنه وما خالفه فلا حاجة إليه، وجرى استخدام الكتب لإيقاد حمامات الإسكندرية لشهور عديدة.
في المقابل، نفى مؤرخون عرب وغربيون مثل جوستاف لوبون هذه الرواية جملة وتفصيلاً، واعتبروها خرافة وأسطورة لا أصل لها في كتب المؤرخين المتقدمين كاليعقوبي والبلاذري وابن عبد الحكم والطبري والكندي، لعدم ورود أي ذكر للحادثة في تاريخهم وتاريخ من جاء بعدهم. أشار هؤلاء المؤرخون إلى أن عمرو بن العاص دخل الإسكندرية في عام 642 ميلادية في وقت لم تكن مكتبة الإسكندرية القديمة موجودة أساساً بعد أن أُحرقت عن آخرها زمن الإمبراطور يوليوس قيصر.
يبقى الجدل حول المصير النهائي لمكتبة الإسكندرية التاريخية حاضراً بين الدراسات الأكاديمية المختلفة، حيث ترجح الأدلة الأثرية والنصية المتاحة أن التدمير التدريجي عبر القرون والحرائق المتعددة ونقص الدعم المالي والسياسي أدت جميعها إلى اضمحلال هذه المؤسسة العريقة وتلاشيها تدريجياً من المشهد الحضاري العالمي قبل العصور الإسلامية بقرون طويلة.
خط زمني
- 145 ق.متطهير المثقفين من الإسكندرية في عهد بطليموس الثامن فايسكون.
- 391 متدمير الإمبراطور ثيودوسيوس الأول للمعبد التابع.
- 642 مدخول عمرو بن العاص الإسكندرية في وقت لم تكن المكتبة موجودة.
مصطلحات وردت في المقال
- الموسيونيون
- مؤسسة كبرى ضمت قاعات ومأوى للعلماء والشعراء والباحثين.
أسئلة شائعة
من هو المسؤول عن وضع النواة الأولى لمكتبة الإسكندرية؟
تكوّنت نواة المكتبة على يد ديمتريوس الفاليري اليوناني أثناء وجوده في بلاد اليونان وعمله مستشاراً لبطليموس الأول.
كيف ساهم العلماء والباحثون في مكتبة الإسكندرية؟
حصل العلماء على رواتب ضخمة وطعام وسكن مجاني وإعفاء من الضرائب، وشاركوا في التدريس وتقديم إسهامات علمية جليلة.
متى بدأ تأثير مكتبة الإسكندرية بالتراجع تدريجياً؟
بدأ تأثير المكتبة بالتراجع بدءاً من تطهير المثقفين من الإسكندرية في عام 145 ق.م خلال عهد بطليموس الثامن فايسكون.
ما حقيقة الرواية التي تتهم عمرو بن العاص بإحراق كتب المكتبة؟
نفى مؤرخون عرب وغربيون هذه الرواية واعتبروها خرافة لعدم ورودها في كتب المؤرخين المتقدمين، ولكون المكتبة قد أُحرقت أساساً زمن يوليوس قيصر.
هل كنت منتبهاً؟ اختبر نفسك
المراجع (2)
- ويكيبيديا الإنجليزية (مرجع موسوعي) — Library of Alexandria
- ويكيبيديا العربية (مرجع موسوعي) — مكتبة الإسكندرية
كُتب هذا المقال بأسلوب «معلومات» انطلاقاً من المراجع أعلاه، وقورنت أرقامه وتواريخه وجمله بها قبل النشر وفق منهجيتنا التحريرية. وجدت خطأ؟ أخبرنا لنصحّحه.
كيف تستشهد بهذا المقال؟
«مكتبة الإسكندرية القديمة: العظمة التاريخية والمصير الغامض»، مجلة معلومات، 18 أكتوبر 2026، https://ma3loumet.com/maqal/24/library-of-alexandria