من أحسن شعب عربي؟ نقاش طويل حول الهوية والفخر
من أحسن شعب عربي؟ نقاش طويل حول الهوية والفخر
تخيل أنك جالس مع مجموعة من الأصدقاء في إحدى المقاهي الشعبية، والحديث يدور حول موضوع لا يهدأ، "من أحسن شعب عربي؟" كل واحد منكم يحمل فخرًا خاصًا بشعبه، وكل واحد لديه رأي مختلف. هذا السؤال لا يتوقف عن إثارة الحوارات والجدل بين العرب، وكل مجموعة ترى في شعبها شيئًا مميزًا، فكل شخص لديه قصة أو ذكرى تبرهن على تميز شعبه في مجالات مختلفة.
أول مرة سمعت هذا السؤال
أكثر ما أتذكر من هذه النقاشات كان في إحدى الجلسات الودية مع أصدقائي بعد مباراة كرة قدم بين مصر والسعودية. كنا نضحك ونتبادل الآراء حول الأداء في المباراة، وفجأة أحد الأصدقاء قال: "هل تعتقدون أن هناك شعبًا عربيًا أفضل من الآخر؟" كانت بداية جدال طويل، وربما هو الأكثر إثارة من بين جميع الجدالات التي خضناها.
لكننا في تلك اللحظة لم نكن نبحث عن إجابة علمية بقدر ما كنا نتبادل الأفكار والمشاعر. كل واحد منا كان يشير إلى صفات في شعبه تُعتبر فريدة من نوعها. المصريين بالطبع فخورين بحسن الضيافة والكرم، السعوديون يتفاخرون بثقافتهم العريقة والتقاليد، بينما العراقيون كانوا يصرون على أن تاريخهم وحضارتهم الممتدة من بابل وسومر تجعلهم الأكثر تأثيرًا في المنطقة.
التنوع بين الشعوب العربية
أعتقد أن النقاش يصبح أكثر عمقًا عندما نفكر في التنوع الثقافي بين الشعوب العربية. العرب ليسوا شعبًا واحدًا، بل هم خليط من العديد من الثقافات واللهجات والتقاليد. هذا ما يجعل السؤال عن "من الأفضل" سؤالًا صعبًا. ومع ذلك، إذا قررنا النظر إلى الموضوع من زاويتين؛ الأولى من زاوية التاريخ، والثانية من زاوية التأثير الحالي، يمكننا أن نلاحظ بعض الاتجاهات.
من منظور التاريخ، ربما يكون الشعب المصري هو الأكثر شهرة بفضل حضارته القديمة التي أثرت في العالم. فعلى مر العصور، من الفراعنة إلى العصر الإسلامي، كانت مصر مركزًا للعلم والثقافة. وكم هو ممتع الحديث عن كيف أن العديد من الاكتشافات الأثرية في مصر قد غيرت مجرى التاريخ. ولكن، كما يقول أصدقائي المصريون في جلساتهم: "المصريين فخورون بأنهم من قلب الحضارة، لكن هناك شعوب أخرى تجعل هذه الحضارة تنبض بالحياة حتى اليوم."
تأثير بعض الشعوب في الثقافة العربية
إذا نظرنا من منظور التأثير المعاصر، نجد أن الشعب السعودي قد أثبت حضوره البارز، خاصة في السنوات الأخيرة. ليس فقط من خلال تأثيره الاقتصادي على المنطقة، ولكن أيضًا عبر دوره المحوري في قيادة العالم العربي في قضايا سياسية ودينية، مثل استضافة المملكة لملايين المسلمين الذين يؤدون فريضة الحج كل عام. كما أن المشاريع الضخمة التي تروج لها المملكة مثل رؤية السعودية 2030 تجعل الكثيرين يرفعون رأسهم فخرًا بالشعب السعودي.
أما الشعب اللبناني، فله دور خاص في الثقافة العربية الحديثة. من بيروت، العاصمة التي كانت تُعتبر "باريس الشرق"، جاء العديد من الفنانين والمفكرين الذين أثروا في الساحة الفنية والفكرية. لبنانيون أضاءوا العالم في مجالات الفن، الموسيقى، والأدب. وصدقني، لا يمكنك أن تقضي ليلة في بيروت دون أن تشعر بأنك في قلب العالم العربي، حيث كل شيء ينبض بالحياة.
الشباب العربي ودوره في التغيير
في السنوات الأخيرة، كانت الثورات العربية والمنظمات الشبابية الحديثة تمثل دليلًا على قوة الشباب العربي في التأثير على مجتمعاتهم. هناك دائمًا نقاش حول أي شعب عربي لديه أكبر تأثير في هذه التغيرات. من تونس إلى مصر، ومن سوريا إلى لبنان، شهدنا حركات شبابية شجاعة تحدت الأنظمة وقامت بإعادة تشكيل الصورة العامة للمنطقة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل التأثير الكبير للشعب التونسي، الذين بدأوا في 2011 ثورة الكرامة التي كانت شرارة للربيع العربي. لكن السؤال هنا: هل كانت الثورات دائمًا إيجابية؟ من ناحية أخرى، كانت بعض الثورات العربية قد انتهت بمآسي، مثلما حدث في ليبيا وسوريا، مما جعل النقاش حول أي شعب "أفضل" يشوبه بعض الحذر والتأمل.
الإجابة عن السؤال
في النهاية، إذا أردت أن أقدم رأيًا بعد كل هذه النقاشات الطويلة، لا أعتقد أن هناك جوابًا بسيطًا. كل شعب عربي يمتلك مميزات فريدة، سواء في الثقافة أو التاريخ أو التأثير في العصر الحديث. لا أحد منا يمكنه أن يحدد بشكل قاطع من هو "أفضل" لأن هذا السؤال ذاته قد يكون غير عادل. الشعوب العربية متنوعة للغاية، وكل واحدة لها مكانة خاصة في قلبنا.
في الواقع، ربما تكمن الإجابة الحقيقية في أن الشعوب العربية جميعها رائعة، ولكن كل واحدة تميزت في مجال أو في تاريخ يختلف عن الأخرى. ولكن هذه المناقشات ستستمر في أذهاننا، سواء كنا نشرب القهوة في القاهرة، أو نحتسي الشاي في دمشق، أو نلتقي في بيروت. في النهاية، ما يجمعنا هو الفخر بمن نكون.
هل توافقونني الرأي؟ أو ربما لديكم نظرة أخرى؟