هل يحاسب الله على التخيل؟

تاريخ النشر: 2025-02-25 بواسطة: فريق التحرير

هل يحاسب الله على التخيل؟

التخيل... تلك المساحة الواسعة داخل عقولنا التي لا حدود لها، حيث يمكن للإنسان أن يسافر دون أن يبرح مكانه، أن يحلم بما يشاء، وأن يعيش مواقف لم تحدث وربما لن تحدث أبدًا. لكن السؤال الذي يشغل البعض هو: هل يحاسبنا الله على ما نتخيله؟ هل مجرد مرور فكرة خاطئة في الذهن يعني أننا آثمون؟

الفرق بين الخواطر والنية

الإسلام دين يوازن بين ما يدور في القلب وما يترجم إلى أفعال، ومن رحمته سبحانه وتعالى أنه لا يحاسب الإنسان على مجرد الخواطر والأفكار العارضة. فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي :

"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم." (رواه البخاري ومسلم)

وهذا الحديث يوضح قاعدة ذهبية: الأفكار العابرة التي لا يختار الإنسان استقرارها في ذهنه، لا يحاسب عليها.

لكن، ماذا لو تعمق الشخص في تخيل شيء محرم وأطال التفكير فيه؟ هنا يصبح الأمر مختلفًا.

متى يصبح التخيل محاسبًا عليه؟

هناك فرق بين خاطرة عابرة تمر على الذهن دون قصد، وبين تفكير متعمد ومستمر في أمر غير محمود.

  1. التخيلات العابرة (غير المحاسَب عليها):

    • أن تمر فكرة سيئة فجأة دون أن يسعى الشخص إليها.
    • أن يشعر الإنسان بالنفور من هذه الفكرة ويحاول صرفها.
    • أن لا تتحول إلى نية لفعل شيء محرم.
  2. التخيلات التي قد يُحاسب عليها الإنسان:

    • أن يسترسل الشخص فيها بإرادته، ويجد متعة في تخيل المعاصي.
    • أن تتحول هذه التخيلات إلى دافع حقيقي لارتكاب فعل محرم.
    • أن تشغل حيزًا كبيرًا من تفكير الشخص حتى تؤثر على قلبه وسلوكياته.

مثال عملي:

تخيل أنك تفكر في الانتقام من شخص أذاك، ثم صرفت هذه الفكرة سريعًا ولم تستمر في تخيل التفاصيل أو التخطيط. في هذه الحالة، لا يؤاخذك الله بها. لكن إن بقيت تتخيل تفاصيل الانتقام بل وتستمتع بها وتتمنى تنفيذها، فهذا قد يكون مؤشرًا على نية سيئة قد تُحاسب عليها إن تُرجمت إلى فعل.

ماذا عن التخيلات المحرمة؟

بعض الأشخاص يعانون من وساوس أو أفكار غير لائقة تأتيهم دون رغبة منهم، خصوصًا في الأمور الدينية أو الأخلاقية. هؤلاء لا يُحاسبون على مجرد مرور هذه الأفكار، ما داموا لا يرحبون بها أو يسعون لإطالتها.

وفي هذه الحالة، الحل هو:

  • عدم الشعور بالذنب على مجرد مرورها، لأن ذلك من مداخل الشيطان.
  • محاولة الانشغال بشيء آخر كلما ظهرت هذه التخيلات.
  • الاستعاذة بالله وعدم إعطائها أكبر من حجمها.

هل يمكن التحكم في التخيل؟

نعم، لكنه يحتاج إلى تدريب نفسي. لا يمكن لأحد منع الأفكار من المرور تمامًا، لكن يمكن التحكم في مدى بقائها والتفاعل معها.

  • الإنسان يملك القدرة على اختيار ما يتعمق فيه من أفكار، ولذلك من المهم تغذية العقل بمحتوى إيجابي ونظيف.
  • ممارسة أنشطة مفيدة مثل الرياضة أو القراءة تساعد على تقليل شرود الذهن نحو تخيلات غير مرغوبة.
  • كلما كان القلب متعلقًا بالله، أصبح العقل أكثر نقاءً وتوجهًا نحو ما يفيده.

خلاصة القول

التخيلات وحدها ليست سببًا للمحاسبة، لكن التمادي فيها بإرادة الشخص قد يجعله يقع في دائرة الذنب. فالله رحيم بعباده، ولا يحاسبنا على ما لا نملك التحكم فيه، لكن مسؤوليتنا تبدأ عندما نمنح لأفكار معينة مساحة لا تستحقها في عقولنا.

لذا، لا داعي للقلق من خواطر عابرة، ولا داعي للخوض في دوامة تأنيب الضمير بلا سبب. المهم هو أن نعرف متى نوقف أي تفكير قد يقودنا إلى طريق خاطئ... وأن نبقي عقولنا وقلوبنا مشغولة بما يقربنا من الخير دائمًا.