رحلة داخل الجسم لمعرفة أسباب شعورنا المستمر بالجوع
يجيب هذا المقال عن سؤال: لماذا نشعر بالجوع وكيف ينشأ هذا الإحساس في الجسم؟
ينشأ الإحساس بالجوع في منطقة الوطاء بالدماغ عبر مستقبلات في الكبد بعد ساعات من آخر وجبة، حيث ترتفع نسبة هرمون الجريلين نتيجة انخفاض هرمون اللبيتين.
في هذا المقال 6 أقسام
كيف يبدأ إحساس الجوع في أعماق الجسم
هل تساءلت يوماً عن السبب الحقيقي وراء ذلك الشعور المزعج الذي يداهم معدتك بعد ساعات من تناول طعامك؟ ينشأ الإحساس بالحاجة إلى الطعام في منطقة الوطاء المعروفة أيضاً باسم تحت المهاد أو الهيبوثلامس. يبدأ هذا الإحساس بالظهور بعد مرور عشر ساعات على آخر وجبة تناولها الإنسان، وهو يُعد شعوراً غير مريح ينتهي فور تناول الطعام. تتولى مستقبلات موجودة في الكبد مهمة إطلاق شرارة هذا الشعور لتنبيه الجسم بحاجته إلى الطاقة.
تتأثر هذه العملية بشكل مباشر بمستويات الهرمونات في الدم، فبينما يأكل الكائن الحي تزيد الخلايا الدهنية من إنتاج هرمون اللبيتين مما يؤدي إلى ارتفاع مستواه في الدم ويقلل من الشعور بالاحتياج للطعام. ولكن بعد ساعات من التوقف عن الأكل تتراجع نسبة هذا الهرمون بطريقة كبيرة. هذا الانخفاض يحفز بدوره ارتفاع نسبة هرمون الجريلين الذي يعيد إرسال إشارات الحاجة الملحة إلى الطعام.
تتداخل مشاعر الإنسان النفسية أحياناً مع هذه الإشارات البيولوجية بطرق مدهشة؛ فالمشاعر الأخرى مثل الغضب أو الفرح تؤدي إلى تثبيط الإحساس بالجوع. وفي المقابل يزداد هذا الشعور ضراوة كلما نقصت نسبة السكر في الدم. إنها منظومة دقيقة ومتكاملة تجعل الجسم ينبه صاحبه بلا توقف إلى ضرورة التزود بالطاقة اللازمة لحين الوجبة القادمة.
آلام الجوع وتناقضات إشارات المعدة
حين يبتعد الإنسان عن طعامه لفترات أطول تبدأ مرحلة جديدة تُعرف بآلام الجوع التي تصاحبها تقلصات في المعدة. تحدث هذه التقلصات بعد مرور مدة تتراوح بين 12 إلى 24 ساعة من آخر وجبة، ويستمر التقلص الواحد لمدة تصل إلى 30 ثانية. تتبع هذه التقلصات فترات من آلام الجوع تتراوح مدتها بين 30 إلى 45 دقيقة، ليختفي بعدها الجوع مؤقتاً لفترة تتراوح بين 30 إلى 150 دقيقة.
تصل آلام الجوع العنيفة هذه إلى أقصى درجاتها بعد مرور 3 إلى 4 أيام، ثم تبدأ بعد ذلك في الضعف لكنها لا تختفي تماماً. المثير للدهشة أن تقلصات المعدة تكون أقوى بكثير لدى صغار السن مقارنة بمرحلة الشيخوخة. هذه التقلصات والآلام ليست مجرد عرض عابر، بل هي رسالة إنذار حيوية يديرها الجسم بحنكة بالغة لحث الكائن الحي على البحث عن قوته.
يدفع هذا الإحساس الحيوانات وحتى الإنسان إلى إظهار سلوكيات محددة تتمثل في زيادة الحركة والنشاط للبحث عن الموارد. فعلى سبيل المثال يظهر جربوع الصحراء المسمى الهامستر نشاطاً زائدا وواضحاً في عجلته عندما يشعر بالجوع أو يحتاج إلى الماء أو حتى عند احتياجه لفيتامين ب، وهو ما يرفع من قدرته الفطرية على إيجاد الطعام في بيئته القاسية.
عندما يتسع مفهوم الجوع عالمياً
يتجاوز مفهوم الجوع في دلالاته العلمية لمسألة الرغبة اليومية المعتادة في الطعام ليصبح مؤشراً خطيراً عندما يتعلق الأمر بعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لفترة مستدامة. يُعرّف الجوع أو نقص التغذية المزمن وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة والمعروفة اختصاراً بالفاو، بأنه الحالة التي ينخفض فيها الاستهلاك من السعرات الحرارية دون الحد الأدنى لمتطلبات الطاقة الغذائية. يعتمد هذا الحد الأدنى على كمية الطاقة اللازمة لأداء الأنشطة الخفيفة والحفاظ على وزن مقبول بالنسبة للطول.
تختلف هذه المعايير بين دولة وأخرى تبعاً لاختلاف الظروف المناخية والعوامل الثقافية السائدة في كل مجتمع. ورغم أن جميع الجياع يعانون حتماً من سوء التغذية وفقاً لتعريفات الفاو، إلا أن العكس ليس صحيحاً تماماً; فقد يحصل الإنسان على ما يكفيه من السعرات الحرارية الخام لتجنب الجوع ولكنه يفتقر إلى المغذيات الدقيقة الأساسية، أو قد يستهلك سعرات زائدة تعرضه للسمنة المفرطة رغم معاناته من نقص التغذية الخفية.
أما انعدام الأمن الغذائي فيحدث عندما يكون الناس معرضين لخطر عدم القدرة على تلبية تفضيلاتهم الغذائية من حيث السعرات والقيمة الغذائية. وغالباً ما يترافق انعدام الأمن الغذائي بظواهر متناقضة مثل توقف نمو الأطفال في السمنة المفرطة لدى البالغين ضمن الأسر المتضررة. تفصل هذه الفوارق الدقيقة بين الرغبة الطبيعية في الأكل وبين الأزمات الاجتماعية الكبرى التي تهدد استقرار المجتمعات.
أزمات المناخ والصراعات وتصاعد الأرقام
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولات مقلقة في أعداد البشر الذين يعانون من الجوع بعد عقود من التراجع المستمر. فبعد أن كانت التوقعات تشير إلى إمكانية القضاء على هذه الظاهرة، انعكس هذا الاتجاه التصاعدي منذ عام 2017 لتشهد السنوات التالية ارتفاعاً تدريجياً في أعداد الجياع. وقد أدت جائحة كوفيد-19 إلى جانب الصراعات والركود الاقتصادي وتغير المناخ إلى تفاقم الأوضاع بشكل ملحوظ في مناطق واسعة من العالم.
أوضحت التقارير الأممية أن التردي المناخي وتكرار الظواهر المتطرفة مثل الفيضانات وموجات الحر الشديد والعواصف والجفاف تمثل محركات رئيسية لتراجع الإنتاج الزراعي وتهديد الأمن الغذائي. وتزداد حدة الجوع سوءاً في البلدان التي تعتمد أنظمتها الزراعية بشكل مفرط على التقلبات في درجات الحرارة وهطول الأمطار، حيث يفقد ملايين السكان مصادر رزقهم الأساسية المرتبطة بالأرض.
تشير التقديرات الدولية الحديثة إلى أن الملايين من البشر ما زالوا يواجهون هذه المعاناة يومياً، وتتحمل قارة إفريقيا وأجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية العصب الأكبر من هذه التحديات. وتؤكد هذه المعطيات الارتباط الوثيق بين الاستقرار الاقتصادي والسياسي وبين قدرة النظم الغذائية على الصمود في وجه الكوارث المناخية المتلاحقة.
الفوارق الاجتماعية وتأثير الأزمات الاقتصادية
لا ينعكس الجوع وانعدام الأمن الغذائي على جميع فئات المجتمع بالطريقة نفسها، فالتجارب والبيانات الاجتماعية تثبت وجود تفاوتات واضحة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وبنية الأسر. تشير الأبحاث والدراسات السكانية إلى أن الأسر التي ترأسها نساء تواجه غالباً نسباً أعلى من انعدام الأمن الغذائي مقارنة وتلك التي ترأسها أسر أُخرى. ويرتبط هذا التفاوت بشكل وثيق بالحالة الاجتماعية كوجود شريك أو عدمه وبتركيبة الأسرة من حيث وجود أطفال أو مسنين، بينما لا يرتبط بالضرورة بفروق الدخل أو التعليم بين رؤساء الأسر.
على الصعيد الفردي، تميل النساء غالباً نحو خيارات غذائية أكثر صحية مقارنة بالرجال، حيث تظهر الإحصاءات حرصاً أكبر على تجنب الأطعمة عالية الدهون، والإكثار من تناول الفواكه والألياف، وتقليل استهلاك الملح. وغالباً ما تكون هذه السلوكيات دافعها الرغبة في التحكم بالوزن أو الاعتبارات الصحية العائلية وجودة الطعام.
تؤدي الأزمات الاقتصادية وتقلبات الأسعار دوراً مباشراً في تعميق هذه الفوارق، إذ تتسبب الارتفاعات الحادة في أسعار المواد الغذائية في زج ملايين الأسر الجديدة في أتون الفقر والعوز. وحين تعجز الأسر عن توفير أبسط متطلباتها الغذائية تتسع فجوة سوء التغذية، مما يفرض ضغوطاً هائلة على النظم الصحية والاجتماعية في مختلف دول العالم.
زاوية معلومات: إشارات الجوع الخفية
لاحظنا كيف يتحكم الدماغ والكبد في توقيت إرسال إشارات الجوع عبر تفاعل دقيق بين الهرمونات والتقلصات العضلية للمعدة، وكيف تتداخل ظروف المناخ والاقتصاد عالمياً لتصنع أزمات الغذاء. ما أدهشنا حقاً هو أن شعورنا المعتاد بالجوع ليس مجرد رغبة عابرة في تناول الطعام، بل هو آلية بقاء عتيقة ورثها الكائن الحي لتحفيز الحركة والنشاط وإيجاد الموارد حين تنخفض طاقة الجسم. جرّب في المرة القادمة التي تشعر فيها بتقلصات الجوع أن تتأمل هذه الإ1شارة البيولوجية البارعة التي يرسلها جسدك لتدرك أنها طريقة الطبيعة البسيطة في تذكيرك بأنك بحاجة إلى الوقود لتستمر في الحياة.
خرافة أم حقيقة؟
شائعالاعتقاد بأن كل من يعاني من سوء التغذية هو جائع بالضرورة
الحقيقةالعكس ليس صحيحاً تماماً؛ فقد يحصل الإنسان على سعرات كافية لتجنب الجوع ولكنه يفتقر للمغذيات.
مصطلحات وردت في المقال
- الوطاء
- منطقة في الجسم يُعرف أيضاً بتحت المهاد أو الهيبوثلامس وينشأ فيها الإحساس بالحاجة إلى الطعام.
- هرمون اللبيتين
- هرمون تفرزه الخلايا الدهنية يرتفع مستواه في الدم عند الأكل ليقلل من الشعور بالاحتياج للطعام.
- هرمون الجريلين
- هرمون ترتفع نسبته بعد التوقف عن الأكل ليعيد إرسال إشارات الحاجة الملحة إلى الطعام.
- انعدام الأمن الغذائي
- حالة يكون فيها الناس معرضين لخطر عدم القدرة على تلبية تفضيلاتهم الغذائية من السعرات والقيمة.
أسئلة شائعة
ما هو السبب الحقيقي وراء شعورنا المزعج بالجوع بعد ساعات من الأكل؟
ينشأ الإحساس بالحاجة إلى الطعام في منطقة الوطاء أو الهيبوثلامس بعد مرور عشر ساعات على آخر وجبة، وتتولى مستقبلات في الكبد إطلاق هذه الشرارة.
كيف تؤثر الهرمونات على شعور الإنسان بالجوع والشبع؟
تزيد الخلايا الدهنية من إنتاج هرمون اللبيتين أثناء الأكل لتقليل الشعور بالاحتياج، بينما يتراجع هذا الهرمون بعد ساعات ليحفز ارتفاع هرمون الجريلين الذي يرسل إشارات الحاجة للطعام.
كيف يُعرّف الجوع أو نقص التغذية المزمن وفقاً لمنظمة الفاو؟
يُعرّف بأنه الحالة التي ينخفض فيها الاستهلاك من السعرات الحرارية دون الحد الأدنى لمتطلبات الطاقة الغذائية اللازمة لأداء الأنشطة الخفيفة.
هل كنت منتبهاً؟ اختبر نفسك
رأيك يهمنا
ما هو السبب الذي يجعلك تشعر بالجوع أكثر؟
كن أول من يصوّت! تظهر النتائج بعد تصويتك.
المراجع (5)
- ويكيبيديا الإنجليزية (مرجع موسوعي) — Hunger
- ويكيبيديا العربية (مرجع موسوعي) — جوع
- بي بي سي — Global hunger increasing, UN warns - BBC News
- جهة حكومية رسمية (obamawhitehouse.archives.gov) — Remarks by the President at Symposium on Global Agriculture and Food Security | whitehouse.gov
- المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة — Revisiting food insecurity gender disparity - PMC
كُتب هذا المقال بأسلوب «معلومات» انطلاقاً من المراجع أعلاه، وقورنت أرقامه وتواريخه وجمله بها قبل النشر وفق منهجيتنا التحريرية. وجدت خطأ؟ أخبرنا لنصحّحه.
كيف تستشهد بهذا المقال؟
«رحلة داخل الجسم لمعرفة أسباب شعورنا المستمر بالجوع»، مجلة معلومات، 5 نوفمبر 2026، https://ma3loumet.com/maqal/84/hunger
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد. هل تعرف معلومة إضافية عن هذا الموضوع، أو عشت تجربة لها علاقة به؟ شاركنا بها.