أسرار المغناطيسية: كيف تعمل المغانط وتجذب المواد الحديدية؟
يجيب هذا المقال عن سؤال: ما هو مبدأ عمل المغناطيس وكيف يجذب الحديد وما هي أبرز محطات اكتشافه وتطوره التاريخي؟
تُعرّف المغناطيسية بأنها قوى تنشأ عن حركة الشحنات الكهربائية والعزوم المغزلية للإلكترونات، وتظهر بوضوح في جذب المواد الحديدية وتوليد الحقول المغناطيسية.
مبدأ عمل المغناطيس والظواهر المغناطيسية
تُعرف القوى المغناطيسية بأنها القوى القادرة على توليد حقل مغناطيسى عن طريق تحرك شحنة كهربائية، مثلما يحدث في التيار الكهربائي عندما يسير في سلك. ويحدث تبادل القوى بين المغناطيسات عن طريق حقل مغناطيسى تنتجه تلك المغانط كما أنها تتأثر هي الأخرى بمجال مغناطيسي خارجي. وترجع تلك الظواهر المغناطيسية إلى حركة شحنات كهربائية أو عزم مغزلي لجسيمات أولية وذلك لأن لها عزم مغزلي. والظاهرة المغناطيسية هي أحد فروع علم الكهرومغناطيسية، وهو واحد من أربعة قوى أساسية في علم الفيزياء. تتكون المواد المغناطيسية من حبيبات مغناطيسية بذاتها حيث تتخذ الذرات المغناطيسية اتجاها واحدا، ولكن توزيع اتجاه مغناطيسية الحبيبات يكون عشوائيا في المادة بحيث تكون محصلة مغناطيسيتها صفرا.
بينما تترتب في حالة المغنطة في اتجاه واحد تحت تأثير المجال المغناطيسي الخارجي. وتعود ظاهرة المغناطيسية إلى مغناطيسية ذرات بعض العناصر مثل الحديد والكوبلت والنيكل وجزيئات تدخل فيها تلك العناصر وسبائكها لتشكل خصائص فريدة ومتنوعة. تبين أن المواد المغناطيسية تتكون من حبيبات مغناطيسية دقيقة تتأثر بالحقول الخارجية، وتختلف المواد في استجابتها وفقاً لطبيعة بنيتها الذرية وتوزيع إلكتروناتها. وتصنف المواد المغناطيسية حسب الحساسية الحجمية، حيث توجد مواد مغناطيسية حديدية ومسايرة ومعاكسة وحديدية مضادة وفريمغناطيسية، وكل نوع يظهر تفاعلاً مختلفاً مع الحقول المغناطيسية المحيطة به بناءً على حركة الشحنات والعزم المغزلي داخل بنيتها الداخلية.
تآثر الذرات والعزم المغزلي للإلكترونات
بينت ميكانيكا الكم أن خاصية المغناطيسية الحديدية ترجع إلى أنه في تلك العناصر مثل الحديد والكوبلت والنيكل يجعل التآثر بين الذرات وهو تآثر كمومي على أن يتخذ العزم المغزلي المغناطيسي للإلكترونات فيها اتجاها واحدا. ففي الحديد مثلا توحد إلكترونات المدار الذري 3d اتجاه عزمها المغزلي المغناطيسي وتصبح ذرة الحديد مغناطيسا صغيرا. يحدث ذلك التوجه في العناصر الحديد والكوبلت والنيكل وتصبح كل منها مغناطيسا ذاتيا رغم أن مبدأ استبعاد باولي يقول أنه إذا شغل إلكترونان نفس مستوي الطاقة في ذرة فمن المفروض أن يكون العزم المغزلي المغناطيسي لأحدهما بعكس اتجاه العزم المغزلي المغناطيسي للآخر.
توضح الصورة توزيع الإلكترونات في ذرة تحتوي على 4 أغلفة، حيث الغلاف n=2 له مدارين s و p والغلاف n=3 له ثلاثة مدارات 3d و 3p و 3s والغلاف n=4 له أربعة مدارات 4f و 4d و 4p و 4s. ونجد أن طاقة إلكترونات المدار 3d أعلى من طاقة الإلكترونات في المدار 4s. وللتغلب على ذلك يكون الأنسب لإكترونات المدار 3d أن يكون اتجاه العزم المغزلي المغناطيسي للإلكترونات فيها في نفس الاتجاه. وبالتالي تصبح ذرة الحديد مغناطيسية وقد فسرت ميكانيكا الكم هذه الخاصية للإلكترونات بأنها بسبب تآثر متبادل بين ذرات الحديد.
تحتوي الذرات على إلكترونات تمتلك خاصية ميكانيكية كمومية أساسية للزخم الزاوية تُعرف باللف المغزلي أو السبين. وتميل معظم الإلكترونات داخل الذرات إلى تكوين أزواج يكون فيها العزم متعاكساً بحيث تلغي الحقول المغناطيسية الناتجة بعضها بعضاً. ومع ذلك، تحتوي بعض الذرات على إلكترونات مفردة غير مزاوجة تولد حقولاً مغناطيسية دقيقة، وعندما تتوافق أغلبية هذه الإلكترونات المفردة في اتجاه واحد، فإنها تتكاتف لإنتاج حقل مغناطيسي يمكن ملاحظته على النطاق المجهري والعياني في المواد المغناطيسية القوية.
أنواع المواد وتصنيفاتها المغناطيسية
تصنف المواد المغناطيسية بناءً على قابليتها المغناطيسية وحجم استجابتها للمجالات الخارجية. وتعتبر المواد ذات المغناطيسية الحديدية هي الأكثر شيوعاً وملاحظة في الحياة اليومية، حيث تتأثر بقوة بالمجالات المغناطيسية ويمكن مغنطتها لتصبح مغناطيسات دائمة تنتج حقولاً مغناطيسية خاصة بها، كما يمكن إزالة هذه المغنطة عند الحاجة وفق ظروف معينة تؤثر على ترتيب حبيباتها الداخلية وتوزيعها الذري. إلى جانب المواد الحديدية، توجد مواد أخرى مثل المواد ذات المغناطيسية المسايرة التي تجذب بشكل ضعيف نحو المجال المغناطيسي المطبق مثل الألومنيوم والأكسجين، ومواد ذات مغناطيسية معاكسة تنافر بشكل ضعيف مثل النحاس والكربون، ومواد ذات مغناطيسية حديدية مضادة مثل الكروم التي تمتلك علاقة أكثر تعقيداً مع الحقل.
وعادة ما تكون القوة المغناطيسية في هذه الأنواع ضعيفة جداً لدرجة تعذر شعور الإنسان بها وتتطلب أدوات مخبرية دقيقة لرصدها. تختلف قوة الحقل المغناطيسي المولد بحسب عدة عوامل مؤثرة مثل العزم المغزلي للمادة، والشكل الفيزيائي للجسم، واتجاه ومقدار أي تيار كهربائي يمر داخله، إضافة إلى درجة حرارة الجسم. وكلما ابتعدنا عن المصدر المغناطيسي الموضعي، تناقصت قيمة الحقل المغناطيسي تدريجياً مع المسافة، مما يجعل التأثير محصوراً في نطاق مكاتب العمل أو المختبرات العلمية أو التطبيقات العملية المباشرة للمغانط الصناعية والطبيعية.
المحطات التاريخية الأولى لاكتشاف المغناطيس
اكتُشفت المغناطيسية لأول مرة في العالم القديم حين لاحظ الناس أن الأحجار المغناطيسية، وهي قطع مُمغنطة بشكل طبيعي من أكسيد الحديد الأسود المعروف بالماغنتيت المعدني، قادرة على جذب الحديد. وقد أُخذت كلمة مغناطيس من المصطلح اليوناني الذي يعني الحجر المغنيسي أو حجر الماغنيتس. وفي اليونان القديمة، نُسبت أول مناقشة علمية للمغناطيسية إلى الفيلسوف طاليس الملطي الذي عاش بين عامي 625 و545 قبل الميلاد، بينما تصف النصوص الطبية الهندية القديمة استخدام الماغنتيت لإزالة السهام من أجسام المصابين. في الصين القديمة، ظهر أقدم مرجع أدبي للمغناطيسية في كتاب يعود للقرن الرابع قبل الميلاد سمي باسم مؤلفه، بينما أشارت حوليات القرن الثاني قبل الميلاد إلى أن حجر المغناطيس يجذب الحديد إليه.
كما ورد في مؤلفات القرن الأول ذكر لجذب حجر المغناطيس للإبر. وفي القرن الحادي عشر، أصبح العالم الصيني شين كو أول من كتب عن بوصلة الإبرة المُمغنطة ودورها في تحسين دقة الملاحة باستغلال مفهوم الشمال الحقيقي، واستخدم الصينيون ملاعق اتجاهية منحوتة من حجر المغناطيس لتشير مقاودها نحو الجنوب دائماً. تطور استخدام البوصلة وانتقلت المعارف الخاصة بها إلى أوروبا والعالم الإسلامي تدريجياً. فكان ألكسندر نيكام أول من وصف البوصلة للملاحة في أوروبا عام 1187، وتبعه بيتر بيريغرينوس دي ماريكورت بكتابة رسالة تصف خصائص المغناطيس عام 1269. وفي عام 1282، ناقش العالم والفيزيائي والفلكي والجغرافي اليمني الأشرف عمر خصائص المغناطيس والبوصلات الجافة، ليضع العلماء المسلمون والأوروبيون اللبنات الأساسية لفهم هذه الظاهرة الفيزيائية العريقة.
تطور الأبحاث والربط بين الكهرباء والمغناطيسية
شهد القرن السابع عشر تطورات كبرى بدأت بنشر ويليام جيلبرت كتابه عن المغناطيس والأجسام المغناطيسية والمغناطيس الأرضي العظيم عام 1600، حيث أجرى تجاربه واقترح أن الأرض نفسها عبارة عن مغناطيس كبير يفسر إتجاه البوصلات نحو الشمال. وفي عام 1819، بدأ الفهم الحقيقي للارتباط بين الكهرباء والمغناطيسية بفضل تجارب هانز كريستيان أورستد في جامعة كوبنهاغن، الذي لاحظ الاهتزاز العرضي لإبرة بوصلة قرب سلك يمر فيه تيار كهربائي ليولد حقلاً مغناطيسياً. توالت الاكتشافات بعد ذلك بسرعة، حيث ساهم أندريه ماري أمبير وجان بابتيست بيوت وفيليكس سافارت في وضع القوانين الرياضية والمعادلات التي تفسر المجال المغناطيسي للتيارات الكهربائية.
وفي عام 1831، اكتشف مايكل فاراداي أن التدفق المغناطيسي المتغير عبر حلقة سلكية يولد جهداً كهربائياً. وخلال ستينيات القرن التاسع عشر، قام جيمس كلارك ماكسويل بتجميع هذه الرؤى وتوسيعها في معادلات موحدة جمعت الكهرباء والمغناطيسية والبصريات تحت مظلة الكهرومغناطيسية. استمر تطور الكهرومغناطيسية وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين ودخولها في نظريات الفيزياء الحديثة مثل النظرية الكهروديناميكية الكمية ونظرية التفاعل الكهروضعيف والنموذج المعياري. وفي هذا السياق الحديث، تُستخدم قواعد البيانات المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذج التعلم الآلي لاستخراج البيانات البلورية والكيميائية والمغناطيسية للمواد، بهدف تسريع اكتشاف مواد مغناطيسية جديدة ذات درجات حرارة تشغيل محسنة لتلبية الاحتياجات التقنية المعاصرة.
زاوية معلومات: مغناطيس الأرض الخفي في حياتنا
يتفاعل الإنسان مع المظاهر المغناطيسية في تفاصيل حياته اليومية دون أن يدري، بدءً من قطع المغناطيس الثابتة المستخدمة في الأدوات المنزلية البسيطة وصولاً إلى البوصلة التي تستخدم لتحديد الاتجاهات بالاعتماد على الحقل المغناطيسي للأرض الناتجة عن التيارات الكهربائية في لبها المعدني المنصهر. والمثير للفضول أن القطب الشمالي المغناطيسي للأرض يمثل في حقيقته قطباً جنوبياً مغناطيسياً من حيث الانجذاب، وهو ما تفسره القواعد الفيزيائية لحركة الشحنات وقطبية المغانط. تظهر تطبيقات المغناطيسية أيضاً في الأجهزة الكهربائية والمحركات التي تحتوي على قلوب حديدية تحتفظ بمغناطيسية متخلفة تساعد على تحسين كفاءة التشغيل واستمراريته. ويمكن للمهتمين ملاحظة التجذب القوي بين قطع الماغنتيت أو المغانط المصنوعة ومواد الحديد أو النيكل والكوبلت، وتجربة تأثيراتها المباشرة بأمان تام في المنزل، مما تقرّب المفاهيم الفيزيائية المعقدة وتجعلها واقعاً محسوساً يربط النظريات العلمية بالتجارب اليومية البسيطة.
خط زمني
- 625 إلى 545 قبل الميلادمناقشة الفيلسوف طاليس الملطي للمغناطيسية في اليونان القديمة.
- 1187ألكسندر نيكام يصف البوصلة للاستخدام في الملاحة بأوروبا.
- 1269بيتر بيريغرينوس دي ماريكورت يكتب رسالة تصف خصائص المغناطيس.
- 1600ويليام جيلبرت ينشر كتابه عن المغناطيس والمغناطيس الأرضي العظيم.
- 1819هانز كريستيان أورستد يلاحظ تأثير التيار الكهربائي على إبرة البوصلة.
- 1831مايكل فاراداي يكتشف توليد الجهد الكهربائي من التدفق المغناطيسي المتغير.
مصطلحات وردت في المقال
- الماغنتيت
- قطع مُمغنطة بشكل طبيعي من أكسيد الحديد الأسود قادرة على جذب الحديد.
- اللف المغزلي (السبين)
- خاصية ميكانيكية كمومية أساسية للزخم الزاوي تمتلكها الإلكترونات داخل الذرات.
- المغناطيسية المسايرة
- مواد تجذب بشكل ضعيف نحو المجال المغناطيسي المطبق مثل الألومنيوم والأكسجين.
- المغناطيسية المعاكسة
- مواد تتنافر بشكل ضعيف مع المجال المغناطيسي مثل النحاس والكربون.
أسئلة شائعة
ما هي القوى المغناطيسية؟
تُعرف القوى المغناطيسية بأنها القوى القادرة على توليد حقل مغناطيسي عن طريق تحرك شحنة كهربائية، مثلما يحدث في التيار الكهربائي عندما يسير في سلك. والظاهرة المغناطيسية هي أحد فروع علم الكهرومغناطيسية.
كيف تم اكتشاف المغناطيس لأول مرة في التاريخ؟
اكتُشفت المغناطيسية لأول مرة حين لاحظ الناس أن الأحجار المغناطيسية، وهي قطع مُمغنطة بشكل طبيعي من أكسيد الحديد الأسود المعروف بالماغنتيت المعدني، قادرة على جذب الحديد. وقد أُخذت كلمة مغناطيس من المصطلح اليوناني الذي يعني الحجر المغنيسي.
من هو أول من كتب عن بوصلة الإبرة الممغنطة للملاحة؟
أصبح العالم الصيني شين كو أول من كتب عن بوصلة الإبرة المُمغنطة ودورها في تحسين دقة الملاحة باستغلال مفهوم الشمال الحقيقي في القرن الحادي عشر.
هل كنت منتبهاً؟ اختبر نفسك
المراجع (5)
- ويكيبيديا الإنجليزية (مرجع موسوعي) — Magnetism
- ويكيبيديا العربية (مرجع موسوعي) — مغناطيسية
- موقع لايف ساينس — What is magnetism? Facts about magnetic fields and magnetic force | Live Science
- مجلة نيتشر — The northeast materials database for magnetic materials | Nature Communications
- المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة — The northeast materials database for magnetic materials - PMC
كُتب هذا المقال بأسلوب «معلومات» انطلاقاً من المراجع أعلاه، وقورنت أرقامه وتواريخه وجمله بها قبل النشر وفق منهجيتنا التحريرية. وجدت خطأ؟ أخبرنا لنصحّحه.
كيف تستشهد بهذا المقال؟
«أسرار المغناطيسية: كيف تعمل المغانط وتجذب المواد الحديدية؟»، مجلة معلومات، 18 أكتوبر 2026، https://ma3loumet.com/maqal/47/magnetism