الأسباب العلمية وحركة المد والجزر في المحيطات
يجيب هذا المقال عن سؤال: ما الذي يسبب المد والجزر في المحيطات والبحار؟
تحدث ظاهرة المد والجزر بفعل جاذبية القمر والشمس وقوة دوران الأرض، مما يسبب ارتفاعاً وانخفاضاً دورياً في منسوب مياه البحار.
في هذا المقال 6 أقسام
الجاذبية الأرضية وقوى الأجرام السماوية
تعتمد ظاهرة المد والجزر بشكل أساسي على التأثيرات المجتمعة لقوى جاذبية القمر والشمس إلى جانب حركة دوران الأرض حول محورها والتي تولد قوة طاردة مركزية عند خط الاستواء. تنشأ هذه الحركة الدورية المتوقعة للمياه ذهاباً وإياباً على شواطئ الأرض نتيجة جذب الشمس والقمر لمياه البحار والمحيطات، ولأن القمر أقرب بكثير إلى الأرض فإن تأثير جاذبيته يكون أكبر بكثير رغم صغر حجمه مقارنة بالشمس.
تتأثر آونة ومطال المد والجزر بالمحاذاة بين الشمس والقمر، وبنمط المد والجزر في المياه العميقة، وبأنظمة التقابل المساري للمحيطات، وبشكل الخط الساحلي وبقياس الأعماق القريبة من الشاطئ. وتؤدي جاذبية الشمس للأرض إلى ما يسمى بالمد الشمسي بينما تؤثر جاذبية القمر بما يسمى بالمد القمري، وتتضافر هذه القوى لتشكل الحركة الأساسية لمياه المحيطات.
تؤدي هذه القوى المتغيرة في الزمان والمكان إلى تأثيرات واسعة النطاق على كوكب الأرض، حيث لا تقتصر ظاهرة المد والجزر على المحيطات فحسب، بل تحدث في نظم أخرى وتؤثر حتى على شكل الجزء الصلب من الأرض وقشرتها محدثة تغيرات رأسية دورية، إضافة إلى تأثيرات مماثلة في الغلاف الجوي.
دورة المد والجزر ومراحلها اليومية
تتميز أмواج المحيطات بأنها دورية، حيث ترتفع وتخفض مياه البحر ما يقارب مرتين كل يوم، وتحديداً مرة كل 12 ساعة في كثير من الأماكن. يتوقف الماء عن الانخفاض في مرحلة معينة ليبلغ أدنى مستوى محلي يعرف بالجزر، ثم يبدأ منسوب سطح الماء في الارتفاع تدريجياً على مدى ساعات عدة ليغطي منطقة المد والجزر في عملية غمر مستمرة.
يستمر منسوب المياه في الصعود حتى يبلغ أقصى مستوى محلي يعرف بالمد العالي، وبعد ذلك يبدأ الماء في الانخفاض تدريجياً على مدى ساعات أخرى مكشفاً عن المنطقة الواقعة بين المد والجزر في مرحلة الانحسار. وتعرف التيارات المتذبناة الناتجة عن هذه الحركات باسم تيارات المد والجزر، بينما يسمى اللحظة التي يتوقف فيها التيار تماماً بلحظة السكون المائي.
تختلف أنماط المد والجزر من مكان إلى آخر على سواحل العالم، حيث تشهد بعض الشواطئ مدين عاليين وجزرين متساويين تقريباً كل يوم وهو ما يعرف بالمد نصف اليومي، بينما تختبر مواقع أخرى ذروة واحدة للمد وحضيضاً واحداً للجزر يومياً فيما يسمى بالمد اليومي، وتوجد أيضاً أنماط مختلطة تضم مدين وجزرين متفاوتين في اليوم الواحد.
تأثير محاذاة الشمس والقمر على المدى
يختلف نطاق المد والجزر النصف يومي وفقاً لعدة عوامل دورية، وأبرزها مواقع الشمس والقمر بالنسبة للأرض خلال دورتهما الشهرية. ففي فترتي المحاق والبدر، يقع كل من الشمس والقمر في جهة واحدة فيما يعرف بظاهرة المحاذاة أو السيزجي، وعندئذ تتضافر قوة جاذبية الشمس مع قوة جاذبية القمر ليبلغ المد أقصى دورته ويرتفع المدى إلى أعلى مستوياته فيما يعرف بالمد العالي الأقصى.
في المقابل، يحدث في الأسبوعين الأول والثالث من الأشهر القمرية ما يسمى بالمد الخائر عندما يكون القمر في التربيع الأول أو التربيع الثالث، حيث تفصل زاوية قائمة رأسها مركز الأرض بين الشمس والقمر، مما يقلل من التأثير المشترك ويجعل جاذبية الشمس تقلل من تأثير جاذبية القمر ليكون المد أضعف من المعتاد ويبلغ النطاق أدنى مستوياته.
تؤدي ظاهرة المد العالي الأقصى إلى مياه عالية تزيد عن المتوسط ومياه منخفضة تقل عن المتوسط مع تيارات أسرع، بينما يؤدي المد الخائر إلى ظروف مد ألطف وأقل حدة، وتفصل فترة زمنية تقدر بنحو سبعة أيام بين هاتين الحالتين المتضادتين في الدورة الشهرية.
دور مسافة القمر وعوامل الأرض المختلفة
تتأثر أطوال وارتفاعات المد والجزر أيضاً بالمسافة المتغيرة التي تفصل بين القمر والأرض نتيجة مدار القمر الإهليلجي. فعندما يكون القمر في أقرب نقطة له من الأرض وهي نقطة الحضيض المداري، يزداد نطاق المد والجزر بشكل ملحوظ، بينما ينكمش النطاق عندما يكون القمر في أبعد نقطة له في الأوج، وتتكرر هذه الاختلافات عدة مرات في السنة.
تتأثر حركة المياه أيضاً بالخصائص الجغرافية والفيزيائية للمحيطات والبحار، حيث تنتشر الظاهرة في جميع بحار العالم وتختلف نسبة ارتفاع المد وانخفاض الجزر تفاوتاً كبيراً من منطقة إلى أخرى. وتسجل بعض المناطق ارتفاعات واضحة بينما تتراجع النسبة في مناطق أخرى لتصل إلى مستويات ضئيلة بحسب طبيعة التضاريس والمسطحات المائية.
تتعدد المركبات التي تسهم في تحديد تفاصيل المد والجزر، وتشمل دورة الأرض حول محورها، وموضع القمر والشمس، وميل خط استواء الأرض، وشكل قاع المحيطات والبحار المعروف بقياس الأعماق، وتتفاعل هذه العوامل جميعها لترسم النمط الفعلي الذي يلاحظه الإنسان على السواحل.
التدخل البشري وتغيرات المد التاريخية
أثبتت الدراسات والأبحاث الحديثة أن ظاهرة المد والجزر لا تقتصر على التأثيرات الفلكية الطبيعية وحدها، بل تتأثر بشكل ملحوظ بالتغيرات التي يجهدها الإنسان في البيئة الساحلية والمائية. فقد أدى تعميق قنوات الأنهار والمجاري المائية وحفر الممرات للسفن، إضافة إلى بناء السدود والموانئ والتخلص من الأراضي الرطبة، إلى إحداث تغييرات طويلة الأجل في نطاق المد والجزر في العديد من مصبات الأنهار والسواحل حول العالم.
تؤدي التعديلات البشرية في شكل قاع المسطحات المائية وعمقها إلى تغيير طريقة استجابة المياه وحركتها، مما يسبب زيادة ملحوظة في نطاق المد والجزر في بعض المصارف والأنهار والمصبات المائية مقارنة بما كانت عليه في الماضي. وتتفاعل هذه التغيرات البشرية مع الارتفاع العالمي المتوقع لمنسوب سطح البحر لتشكل تحديات جديدة للمجتمعات الساحلية والمنشآت المائية.
ساعدت البيانات الدقيقة المستمدة من محطات القياس الحديثة العلماء على فهم هذه التغيرات المعقدة وتتبع الفروق المكانية والزمانية في حركة المياه، وهو ما أسهم في تحسين القدرة على توقع سلوك المد والجزر والتعامل مع المخاطر المحتملة المرتبطة بها في مختلف موانئ ومناطق العالم.
زاوية معلومات: مراقبة المد اليومي
يستطيع القارئ العربي ملاحظة ظاهرة المد والجزر بوضوح وبأمان تام عند زيارة الشواطئ والموانئ البحرية المفتوحة على البحار والمحيطات، حيث يمكن رؤية تراجع المياه وانحسارها لكشف أجزاء من الشاطئ بانتظام خلال ساعات اليوم، ثم عودتها للارتفاع وغمر تلك المناطق تدريجياً. ترتبط هذه الملاحظة اليومية بشكل مباشر بحركة الأجرام السماوية وتحديداً دوران الأرض أمام القمر والشمس، وهو ما يجعل مراقبة هذه الظاهرة الدورية تجربة علمية حية ومتاحة للجميع على مدار الساعة دون الحاجة لأجهزة معقدة.
تلعب هذه الحركة الدورية دوراً مهماً في الحياة اليومية للسكان المحليين والبحارة والعاملين في الموانئ، إذ يترقب الصيادون وربابنة السفن مواعيد المد والجزر لتحديد الأوقات المناسبة لدخول الموانئ والممرات المائية الضحلة بأمان. كما تسهم حركة المياه المستمرة في تطهير الشواطئ والموانئ ومصبات الأنهار من الرواسب والشوائب، مما يبرز القيمة الفعلية لهذه الظاهرة الطبيعية في تنظيم حياة الإنسان وتأثيرها المباشر على الأنشطة الاقتصادية والملاحية الساحلية.
مصطلحات وردت في المقال
- الجزر
- أدنى مستوى محلي يبلغه الماء عندما يتوقف عن الانخفاض.
- المد العالي
- أقصى مستوى محلي يبلغه منسوب المياه في صعوده.
- تيارات المد والجزر
- التيارات المتذبناة الناتجة عن حركات مياه البحار والمحيطات.
- السكون المائي
- اللحظة التي يتوقف فيها التيار تماماً.
أسئلة شائعة
ما هي الأسباب الرئيسية لظاهرة المد والجزر في المحيطات؟
تعتمد الظاهرة بشكل أساسي على التأثيرات المجتمعة لقوى جاذبية القمر والشمس إلى جانب حركة دوران الأرض حول محورها والتي تولد قوة طاردة مركزية عند خط الاستواء.
كيف يختلف المد العالي الأقصى عن المد الخائر خلال الشهر القمري؟
يحدث المد العالي الأقصى في فترتي المحاق والبدر نتيجة محاذاة الشمس والقمر لتبلغ الدورة أقصاها، بينما يحدث المد الخائر في الأسبوعين الأول والثالث عندما تكون الشمس والقمر في زاوية قائمة تقلل التأثير المشترك.
ما هو تأثير التدخل البشري على ظاهرة المد والجزر؟
أدى تعميق قنوات الأنهار وحفر الممرات وبناء السدود والموانئ إلى إحداث تغييرات طويلة الأجل في نطاق المد والجزر في العديد من مصبات الأنهار والسواحل.
لماذا تعد مراقبة المد والجزر تجربة ملاحية وعلمية مهمة؟
لأنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بحركة الأجرام السماوية، ويترقب الصيادون وربابنة السفن مواعيدها لتحديد الأوقات المناسبة لدخول الموانئ والممرات الضحلة بأمان.
هل كنت منتبهاً؟ اختبر نفسك
رأيك يهمنا
هل لاحظت يوماً تأثير المد والجزر على منسوب المياه أثناء زيارتك للشاطئ؟
كن أول من يصوّت! تظهر النتائج بعد تصويتك.
المراجع (5)
- ويكيبيديا الإنجليزية (مرجع موسوعي) — Tide
- ويكيبيديا العربية (مرجع موسوعي) — مد وجزر
- الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي — Do the Great Lakes have tides?
- بي بي سي — How humans are altering the tides of the oceans
- وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) — NASA SVS | Ocean Tides and Magnetic Fields
كُتب هذا المقال بأسلوب «معلومات» انطلاقاً من المراجع أعلاه، وقورنت أرقامه وتواريخه وجمله بها قبل النشر وفق منهجيتنا التحريرية. وجدت خطأ؟ أخبرنا لنصحّحه.
كيف تستشهد بهذا المقال؟
«الأسباب العلمية وحركة المد والجزر في المحيطات»، مجلة معلومات، 23 أكتوبر 2026، https://ma3loumet.com/maqal/41/tide
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد. هل تعرف معلومة إضافية عن هذا الموضوع، أو عشت تجربة لها علاقة به؟ شاركنا بها.