أين تم تصوير مسلسل الوسية؟ حكايات من قلب الريف المصري
أين تم تصوير مسلسل الوسية؟ حكايات من قلب الريف المصري
لا أنسى أبداً أول مرة شاهدت فيها مسلسل الوسية. كنت صغيراً، أجلس بجانب جدي في صيف قائظ، والمروحة العتيقة تدور ببطء في زاوية الغرفة. مع أول مشهد ظهر على الشاشة، وجدت نفسي مأخوذاً بتلك المشاهد الريفية الخلابة: الحقول الخضراء الممتدة، الترع المتعرجة، والمنازل الطينية التي تحمل في جدرانها رائحة الزمن الجميل.
"تخيل يا ولدي، هذه الأماكن ما زالت كما هي،" قال جدي مبتسماً وهو يشير إلى الشاشة. لم يكن الأمر مجرد مسلسل بالنسبة له، بل كان انعكاساً حقيقياً لذكرياته عن الريف المصري في أوائل القرن العشرين. لكن السؤال الذي ظل في ذهني طوال الوقت هو: أين تم تصوير مسلسل الوسية؟
المواقع الحقيقية لتصوير مسلسل الوسية
تم تصوير مسلسل الوسية في عدة مواقع، لكن الموقع الرئيسي كان محافظة الشرقية، وتحديداً في قرى ومناطق تشبه كثيراً ما رواه الكاتب خليل حسن خليل في سيرته الذاتية، والتي استند إليها المسلسل. المشاهد التي تظهر الحقول الواسعة والترع، لم تكن ديكورات مصطنعة بل كانت مواقع حقيقية، تنقل إحساس الريف المصري الأصيل.
الشرقية: قلب القصة
محافظة الشرقية كانت الموقع المثالي، فهي واحدة من أكبر المحافظات الزراعية في مصر، وتضم قرى تتميز بنفس الطابع الريفي الذي يعكس الحياة في زمن أحداث المسلسل. البعض يعتقد أن التصوير جرى في قرية المؤلف نفسه أو قرى قريبة منها، حيث لا تزال المنازل الطينية والسواقي القديمة موجودة حتى اليوم.
في أحد الأيام، عندما كنت أبحث عن تفاصيل أكثر، التقيت بأحد كبار السن في الشرقية، وسألته عن المسلسل.
أنا: "عمو، هل فعلاً تم تصوير الوسية هنا؟"
الرجل المسن: "طبعاً يا بني، كان يوم فرحة في البلد لما شافوا التصوير! كنا بنقف نتفرج على الممثلين وهم بيصوروا جنب الترعة."
شعرت للحظة أنني عدت بالزمن، وكأنني وسط أحداث المسلسل، أراقب بشغف كيف عاش المصريون في تلك الحقبة.
أماكن أخرى شاركت في التصوير
بجانب الشرقية، تم تصوير بعض المشاهد في مناطق أخرى تحمل طابع الريف المصري التقليدي، مثل:
- محافظة المنيا: حيث التلال الممتدة والمزارع التي تعكس الحياة الريفية.
- محافظة الجيزة: بعض المشاهد التي تطلبت مناظر أكثر حضرية تم تصويرها هناك.
- الفيوم: استخدمت بعض القرى في الفيوم كخلفية لمشاهد محددة، خاصة تلك التي أظهرت التفاعل بين الطبقات الاجتماعية.
لماذا كان اختيار هذه المواقع مهماً؟
في الأعمال الدرامية، قد يكون بناء ديكور مطابق للحياة الريفية خياراً، لكن مسلسل الوسية كان يعتمد على الواقعية. لم يكن مجرد قصة درامية، بل كان توثيقاً لحياة المصريين في بدايات القرن العشرين. اختيار مواقع التصوير الحقيقية أعطى المسلسل روحاً فريدة، وهذا ما جعله محفوراً في ذاكرة المشاهدين حتى اليوم.
إحدى الحقائق المثيرة هي أن المشاهد التي صورت وسط الحقول كانت حقيقية تماماً، حيث اضطر طاقم العمل للتعامل مع الظروف الطبيعية القاسية، من حرارة الصيف إلى نوبات المطر غير المتوقعة.
كيف استقبل سكان القرى التصوير؟
عندما يبدأ أي مسلسل في التصوير داخل قرية مصرية، يصبح الأمر حدثاً مهماً للسكان. بعض كبار السن الذين شاهدوا تصوير الوسية يحكون كيف كانوا يتجمعون لمشاهدة الممثلين وهم يؤدون أدوارهم وسط الحقول أو بجوار الترع.
ذات مرة، أخبرني أحد أبناء الشرقية أنه شاهد تصوير مشهد شهير عندما كان طفلاً:
هو: "كانوا بيمثلوا مشهد المشاجرة جنب بيتنا، والناس كلها كانت بتتفرج من بعيد، كأنها حفلة!"
أنا: "ولما عُرض المشهد في التلفزيون، حسيت بإيه؟"
هو: "كنت بصرخ: دا بيتنا! كأننا بقينا جزء من الدراما!"
هذا التفاعل بين الدراما والواقع هو ما جعل الوسية أكثر من مجرد مسلسل، بل شهادة حقيقية على التاريخ الاجتماعي لمصر.
التأثير الثقافي لمسلسل الوسية
بعد مرور عقود على عرضه، ما زال مسلسل الوسية يُعرض على القنوات المصرية ويحظى بمكانة خاصة في قلوب المشاهدين. يعود ذلك إلى عدة عوامل:
- تصويره في مواقع حقيقية أضفى عليه طابعاً توثيقياً.
- القصة المستوحاة من سيرة ذاتية جعلته أكثر واقعية وتأثيراً.
- الأداء التمثيلي القوي الذي ساهم في إحياء هذه الحقبة من الزمن.
الجدل حول بعض أماكن التصوير
حتى اليوم، هناك بعض الجدل حول المواقع الفعلية التي استُخدمت في المسلسل. بعض المشاهدين يؤكدون أن بعض المشاهد الداخلية تم تصويرها في استوديوهات داخل القاهرة، بينما يصر آخرون على أنها كانت داخل بيوت ريفية حقيقية تم تهيئتها خصيصاً للمسلسل.
البعض يرى أيضاً أن التصوير في قرى حقيقية أضاف مصداقية كبيرة، لكنه كان تحدياً لفريق العمل، حيث اضطروا إلى التعامل مع البيئة المفتوحة، بما في ذلك أصوات الحيوانات والمارة الذين يظهرون فجأة أمام الكاميرا.
في النهاية: الوسية أكثر من مجرد موقع تصوير
في النهاية، لا يهم كثيراً أين تم تصوير مسلسل الوسية بقدر ما يهم ما الذي يمثله هذا المسلسل. فهو ليس مجرد دراما، بل هو قصة تحكي عن مصر في زمن مختلف، عن الريف الذي لا يزال يحتفظ بجماله وأصالته، وعن التحديات التي واجهها المصريون البسطاء في ذلك الوقت.
عندما أشاهد المسلسل اليوم، لا أرى فقط التمثيل أو التصوير المتقن، بل أرى قطعة من التاريخ، محفوظة في ذاكرة التلفزيون المصري. أماكن التصوير لم تكن مجرد خلفية، بل كانت شخصيات بحد ذاتها، تنقل لنا إحساساً حقيقياً بالحياة الريفية.
فإذا كنت مثلي، من عشاق مسلسل الوسية، فلا بد أنك يوماً ما حلمت بزيارة تلك الأماكن، والوقوف على تلك الحقول الخضراء، حيث تم تصوير واحدة من أعظم الدراما المصرية.