ما معنى قوله تعالى "وكان عرشه على الماء"؟

تاريخ النشر: 2025-02-26 بواسطة: فريق التحرير

ما معنى قوله تعالى "وكان عرشه على الماء"؟

الآية الكريمة التي تقول "وكان عرشه على الماء" وردت في القرآن الكريم في سورة هود، وتحديدًا في الآية 7:
"وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوتكم أيكم أحسن عملاً..."

إن هذه الآية من الآيات التي قد تثير الكثير من التساؤلات والتفسيرات المختلفة. فماذا تعني "وكان عرشه على الماء"؟ هل هي مسألة مجازية، أم أنها تشير إلى حقيقة مادية لها علاقة بما نراه في عالمنا؟

بداية الفهم: العرش في القرآن الكريم

العرش، في اللغة العربية، هو سرير الملك أو عرش السلطة، وعادةً ما يرمز إلى القوة العظمى والسلطان الرفيع. لكن عندما نتحدث عن "عرش الله"، فإن المعنى يتجاوز مجرد شكل مادي أو هيكل مادي كما نتصوره في هذا العالم.

العرش هنا لا يعني بالضرورة شيئًا ماديًا نستطيع أن نلمسه أو نراه كالأشياء التي نعرفها، بل هو رمز لعظمة الله سبحانه وتعالى وسلطانه الذي لا يُحد.

لكن، ماذا عن الماء؟

الآية تقول "وكان عرشه على الماء". هنا، يقول بعض العلماء إن "الماء" قد يشير إلى العنصر الأول الذي خلقه الله قبل أن يخلق السماء والأرض. وقد ورد في بعض الأحاديث والتفاسير أن الماء كان هو العنصر الذي استوى عليه العرش قبل أن يبدأ الله سبحانه وتعالى خلق باقي الكائنات والأجرام السماوية.

على الرغم من أن العديد من المفسرين يختلفون حول ما إذا كان "الماء" يعني الماء الذي نعرفه في عالمنا المادي، إلا أن الأكثر قبولاً بين العلماء هو أن هذه العبارة تحمل دلالة على أن العرش كان "مستقرًا" أو "متحققًا" فوق الماء الذي كان في ذلك الوقت من أولى عناصر الكون. ببساطة، يشير "العرش على الماء" إلى أن هذا هو المكان الذي بدأ منه الخلق.

هل العرش هو جزء من الخلق أو هو ما قبل الخلق؟

من المهم أن نتوقف هنا لنفكر في سؤال مهم: هل العرش نفسه هو جزء من الخلق، أم أنه شيء قبل الخلق؟ وفقًا لتفسير بعض العلماء، فإن العرش هو شيء ثابت، ولا يشمله الخلق. بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كان قد خلق العرش قبل كل شيء، بينما كانت باقي الأشياء في الكون تأتي لاحقًا.

الماء في هذا السياق قد يشير إلى حالة ما قبل الخلق، حيث كان الماء موجودًا في تلك اللحظة كعنصر أساسي، لكنه كان في حالة غير مادية أو غير مرئية للعين البشرية. قد نجد في هذا تفسيرًا لطيفًا لأن الماء يمثل الهدوء والتوازن في الحياة، وهو عنصر أساسي في تكوين كل شيء.

السياق الروحي لهذه الآية

إذا نظرنا إلى هذه الآية من منظور روحي، فقد نفهم أن "العرش على الماء" يشير إلى هيمنة الله على الكون، بما في ذلك جميع القوى والعناصر التي لا نراها أو نلمسها. إنها دعوة للتأمل في قدرة الله وعظمته. إذ يعبر "العرش على الماء" عن مدى سعة رحمته وسلطانه الذي كان قبل أن يبدأ الخلق كما نعرفه.

قد تتبادر إلى الذهن هنا فكرة: هل يمكننا نحن البشر أن نفهم تمامًا معنى هذا؟ الحقيقة أن هذا ليس أمرًا سهلاً. قد نقترب من الفهم، ولكن هذا النوع من الأوصاف في القرآن الكريم يعكس حقيقة تفوق عقل الإنسان المحدود. العرش والماء يمكن أن يكونا رمزًا لفكرة أن كل شيء في الكون خاضع لإرادة الله، سواء كان ماديًا أو غير مادي.

في الختام

"وكان عرشه على الماء" ليست مجرد كلمات بل هي دعوة لنا للتأمل في أصل الكون، وعظمة الله سبحانه وتعالى. كما أنها تذكرنا بأهمية التأمل في مخلوقات الله وتقديرنا لما حولنا. هل نستطيع فهم كل شيء؟ بالطبع لا... ولكن هذا لا يمنعنا من محاولة الاستفادة من معاني هذه الآية العميقة.

من خلال هذه الآية، نعيد التأكيد على أمر بسيط: نحن لا نملك سوى الفهم الجزئي لما هو فوقنا، وما تحتنا، وما حولنا. فكل شيء في هذا الكون بيد الله، والآية تدعونا للتواضع والتفكر في عظمته وقدرته اللامحدودة.

في النهاية، يبقى أن نتذكر أن القرآن الكريم لا يقدم لنا فقط تفسيرات علمية أو فلسفية، بل هو دعوة للتفكير والتأمل في معاني أعمق يمكن أن تغير نظرتنا للوجود.