ما معنى أنك من المنظرين؟ قصة الزمن والفرص المؤجلة
ما معنى أنك من المنظرين؟ قصة الزمن والفرص المؤجلة
أتذكر أول مرة سمعت فيها عبارة "من المنظرين"، كنت طفلاً أستمع إلى جدتي وهي تحكي لي قصصاً عن الحياة والقدر. كنا نجلس في فناء البيت تحت ضوء القمر، وكنت أسألها عن أشياء كثيرة لا أفهمها. قالت لي حينها:
"يا بني، هناك أناس منحهم الله مهلة ليعيشوا ويفكروا، وهناك من يظن أن الزمن لا ينتهي، لكن الحقيقة أن كل تأجيل له حد!"
لم أفهم تماماً ما قصدته حينها، لكن بعد سنوات، عندما سمعت هذه العبارة تُستخدم في القرآن الكريم، بدأت أبحث وأتساءل: ماذا يعني أن تكون من المنظرين؟
معنى "من المنظرين" في اللغة والقرآن
1⃣ المعنى اللغوي
في اللغة العربية، "الإنظار" يعني الإمهال والتأجيل، أي منح شخصٍ ما وقتاً إضافياً قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنه. يُقال: "أنظرتُ فلاناً" أي أمهلته وأخرتُ حسابه أو عقابه.
2⃣ المعنى في القرآن الكريم
في السياق الديني، وردت عبارة "من المنظرين" في عدة مواضع في القرآن، أشهرها في قصة إبليس عندما طلب من الله أن يمنحه مهلة حتى يوم القيامة:
(قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين) – (سورة الحجر: 36-37)
إبليس طلب أن يؤجل عقابه حتى يوم القيامة، ووافق الله على ذلك، فأصبح "من المنظرين"، أي من الذين أُمهلوا ولكن ليسوا معفيين من الحساب.
3⃣ المعنى في الحياة اليومية
هذه الفكرة لا تتعلق فقط بالقصص الدينية، بل نجدها في حياتنا كل يوم. كم مرة أجلنا عملاً مهماً بحجة أن هناك وقتاً كافياً؟ وكم مرة اعتقدنا أن الفرصة لن تضيع، ثم أدركنا متأخرين أننا كنا مخطئين؟
هل كل تأجيل نعمة أم نقمة؟
في بعض الأحيان، تكون المهلة فرصة، لكنها قد تتحول إلى اختبار صعب. هناك نوعان من "الإنظار":
إنظار إيجابي: كأن يمنحك الله وقتاً لتراجع نفسك، تصلح أخطاءك، وتبدأ من جديد. كم من شخص أدرك في اللحظة الأخيرة أنه كان يسير في طريق خاطئ فعدل مساره؟
إنظار سلبي: وهو الإمهال الذي يجعل الشخص يزداد عناداً وظلماً، معتقداً أنه لن يُحاسب. هذا ما حدث مع إبليس، حيث استغل هذه المهلة لنشر الفساد بدلاً من التوبة.
هل نحن جميعاً من المنظرين؟
في جلسة مع أصدقائي، دار نقاش ساخن حول هذه الفكرة. قال أحدهم:
"إذا كنا جميعاً نعيش حياة مؤقتة، ألا يعني ذلك أننا كلنا من المنظرين؟"
جواب صديق آخر كان حاسماً:
"نعم، لكن الفرق هو كيف نستخدم هذه المهلة؟ بعض الناس يستغلون وقتهم ليصنعوا الفرق، بينما آخرون يضيعونه بلا هدف."
هذا النقاش جعلني أفكر في قصص كثيرة لأشخاص تغيرت حياتهم لأنهم أدركوا أن الإنظار ليس مجرد وقت إضافي، بل فرصة أخيرة لإحداث تغيير.
أمثلة حقيقية: عندما يكون الإنظار فرصة ذهبية
رجل أدرك بعد الستين أن الوقت لم ينتهِ بعد
أحد أصدقائي أخبرني عن والده الذي بدأ مشروعه الأول بعد التقاعد. كان يعتقد أن الفرص انتهت، لكنه اكتشف أن الإنظار قد يكون فرصة للنجاح حتى في اللحظات الأخيرة.
طالب كان على وشك الفشل لكنه قرر تغيير مساره
أعرف شخصاً كان دائماً يؤجل دراسته ويعتمد على الحظ في الامتحانات، لكنه في عامه الأخير أدرك أن هذه هي المهلة الأخيرة له. اجتهد، ونجح بتفوق.
كيف نستفيد من كوننا من المنظرين؟
عدم تأجيل التغيير – إذا كنت تعيش مرحلة تأجيل، اسأل نفسك: هل هذا إنظار يمنحني فرصة أم اختبار لصبري؟
استغلال الوقت بحكمة – لا تجعل الإنظار يمر بلا فائدة، بل استغله للتحسين والتقدم.
التوازن بين الأمل والعمل – لا تعتمد فقط على فكرة "هناك وقت"، بل اعمل وكأن الفرصة قد تنتهي غداً.
الخلاصة: هل سننتظر أم سنبدأ الآن؟
عبارة "من المنظرين" ليست مجرد مفهوم ديني، بل هي انعكاس لحياتنا اليومية. نحن جميعاً نعيش في مهلة مؤقتة، والسؤال هو: كيف سنستغلها؟
هل سنكون ممن يستفيدون من وقتهم ليصنعوا فرقاً، أم سنكون ممن يظنون أن الوقت لا ينتهي؟
هذا السؤال يبقى مفتوحاً… والإجابة في أيدينا!