لماذا لم يقتص معاوية من قتلة عثمان؟ حقيقة تاريخية محيرة
لماذا لم يقتص معاوية من قتلة عثمان؟ حقيقة تاريخية محيرة
مقتل عثمان بن عفان: لحظة فارقة في تاريخ الإسلام
حادثة مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت من أكثر اللحظات المؤلمة والمفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية. قُتل مظلومًا في بيته وهو يقرأ القرآن، بعد حصار دام أسابيع من قبل جماعات غاضبة — بعضها من مصر، وبعضها من الكوفة والبصرة.
السؤال اللي بيطرح نفسه: لما وصل معاوية بن أبي سفيان إلى الحكم لاحقًا، ليش ما اقتص من قتلة عثمان؟
سؤال معقّد، والجواب مش بسيط.
هل كان معاوية يملك القدرة على القصاص فعلًا؟
الوضع السياسي بعد موقعة صفين
بعد استشهاد الخليفة علي بن أبي طالب، بايع كثير من المسلمين معاوية بالخلافة، لكن البلاد كانت لسه مش مستقرة. فيه فتنة، فيه انقسامات، وفيه قادة قبائل أقوياء كانوا أساسًا ضمن الفوضى اللي صارت أيام عثمان.
يعني ببساطة، الناس اللي اشتركوا في قتل عثمان ما كانوا أشخاص هامشيين، ولا سهل القبض عليهم. كانوا موزعين في أنحاء الدولة، وأحيانًا محميين من قِبَل جماعات وقبائل نافذة.
معاوية استخدم القضية سياسيًا؟
فيه آراء (خصوصًا من بعض المؤرخين) تقول إن معاوية رفع شعار "القصاص لعثمان" كسلاح سياسي ضد علي بن أبي طالب، أكثر من كونه هدفًا فعليًا للعدالة.
بمعنى: لما كانت القضية مفيدة سياسيًا، تمسّك بيها. لكن لما استتب له الحكم، ما رجع فعليًا يفتح ملفات القتلة، أو يعقد محاكمات معلنة.
هل هو تكتيك؟ هل خاف من تفجير الدولة؟ الله أعلم، لكن الواضح إنه ما فعل ما توعّد به.
شهادات من كتب التاريخ: تضارب وتناقض
روايات المؤرخين الأوائل
ابن كثير وابن جرير الطبري وغيرهم ذكروا تفاصيل كثيرة عن الفتنة الكبرى، لكن فيه تضارب كبير بين الروايات. أحيانًا نلاقي اسم شخص مشارك في قتل عثمان، ثم نلاقيه والي أو أمير بعد سنوات!
مرة قرأت في كتاب البداية والنهاية إن بعض المتمردين صاروا من أعيان الناس، وهذا فعليًا كان صدمة لي.
علي بن أبي طالب حاول القصاص... وما قدر
من جهة ثانية، لازم نذكر إن الخليفة علي حاول فعلًا معرفة من شارك في قتل عثمان، لكن الأوضاع السياسية والقبلية حالت دون محاكمتهم. ومن بعده، جاء معاوية، واستتب له الحكم... لكن القصاص ما تم.
رأي شخصي وتجربة مثيرة
زرت مرة مكتبة في المدينة المنورة، وجلست أقرأ نسخة قديمة من "العواصم من القواصم" لابن العربي، وهناك كان طرح مختلف تمامًا: إن معاوية لم يكن له أن يبدأ القصاص إلا بعد استقرار تام، وإنه لم يكن متهاونًا، لكن الوضع أصعب بكثير مما نظنه الآن.
الصراحة؟ حسّيت إنّ فيه جزء من المنطق في الكلام، لكن برضو، صعب تبرير التأخير الطويل.
هل سقط القصاص بالتقادم؟ أم هو تقصير؟
في النهاية، السؤال يبقى مفتوحًا:
هل كان القصاص مستحيلًا فعلًا؟
هل خاف معاوية على وحدة الدولة الإسلامية؟
أم أن شعارات "الاقتصاص" كانت فقط للضغط السياسي، مش للعدالة؟
الجواب مش واضح 100٪، وكل مصدر يعطيك زاوية مختلفة.
خلاصة: التاريخ ليس أبيض وأسود
قضية عدم الاقتصاص من قتلة عثمان ما زالت تثير الجدل حتى اليوم، لأنها تمس العدالة والسياسة والدين في آنٍ واحد.
ومهما كان موقفك، لازم تتذكر إن الحقبة دي كانت معقدة جدًا. ما نقدر نقرأها بعين القرن 21، ولا نحكم على شخصيات مثل معاوية أو علي بسهولة.
لكن الأكيد: عثمان رضي الله عنه قُتل مظلومًا، وما نال حقه بالشكل اللي كان مفترض.
وهذا، للأسف، درس قاسي في السياسة والتاريخ.