لماذا عبر القرآن بالاستئناس عن الاستئذان؟ حكاية بين الأصدقاء

تاريخ النشر: 2025-02-23 بواسطة: فريق التحرير

لماذا عبر القرآن بالاستئناس عن الاستئذان؟ حكاية بين الأصدقاء

لا أنسى تلك الليلة التي اجتمعنا فيها في بيت صديقنا أحمد، حيث كنا نتناقش في مواضيع مختلفة بين الدين واللغة والفلسفة، حتى طرح صديقنا ياسر سؤالًا أدهش الجميع:

"لماذا قال الله حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا في سورة النور، ولم يقل (تستأذنوا)؟ أليس المقصود هو الاستئذان؟"

ساد الصمت للحظات، ثم بدأ كل واحد منا يقلب الفكرة في ذهنه. أحمد، الذي يهوى الدراسات اللغوية، أشعل الحماس في النقاش قائلاً:

— "يبدو أن القرآن أراد إيصال معنى أعمق من مجرد الاستئذان!"

وهكذا بدأنا رحلة استكشاف هذا التعبير القرآني الفريد، بين البحث اللغوي والتأمل الروحي، مستعينين بآيات أخرى وأقوال المفسرين، وأيضًا بتجاربنا الشخصية حول مفهوم الاستئناس والاستئذان.

الفرق بين الاستئناس والاستئذان في اللغة

لكي نفهم الفارق، بدأنا بتحليل المعاني اللغوية للكلمتين.

قال ياسر، الذي كان يحمل هاتفه ويبحث في معاجم اللغة العربية:

— "الاستئذان معروف، يعني طلب الإذن قبل الدخول. أما الاستئناس، فمنه الأُنس، أي طلب الاطمئنان وزوال الوحشة."

أحمد أضاف بحماس:

— "وهذا منطقي! لأن طلب الإذن للدخول إلى بيت شخص آخر ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو فعل يحتاج إلى تحقيق الطمأنينة، ليس فقط لمن يطلب الدخول، بل أيضًا لأهل البيت."

وهنا بدأنا نتذكر مواقف حياتية جعلتنا ندرك الفرق بين الاستئذان العادي وبين ما يمكن أن نسميه بـ"الاستئناس" الحقيقي.

مشهد من الواقع: متى يكون الاستئناس أعمق من مجرد الاستئذان؟

تذكرتُ موقفًا حدث معي عندما كنت صغيرًا. في أحد الأيام، زرت منزل أحد أقاربي لأول مرة، فطرقت الباب بقوة وقلت بصوت عالٍ:

— "هل أستطيع الدخول؟"

لكن عندما فتح لي أحدهم الباب، شعرت أن الجو مشحون بالغرابة، وكأنني اقتحمت عليهم خلوتهم رغم أنني قد استأذنت بالفعل!

عندها أدركت أن مجرد الطرق وطلب الإذن لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك نوع من التواصل النفسي والأنس قبل الدخول، وهذا بالضبط ما عبر عنه القرآن بكلمة "تستأنسوا" بدلًا من "تستأذنوا".

لماذا اختار القرآن تعبير "الاستئناس" بدلًا من "الاستئذان"؟

في تلك الجلسة، بدأنا نربط بين الكلمة والسياق القرآني، وأدركنا أن الأمر ليس مجرد اختيار لغوي عشوائي، بل يحمل أبعادًا تربوية واجتماعية.

أحمد، الذي يحب تأمل آيات القرآن، قال:

— "لاحظوا أن الآية تتحدث عن دخول البيوت. والبيوت ليست مجرد أماكن، بل هي مساحات للراحة والخصوصية، لذا فطلب الدخول إليها يجب أن يكون بطريقة تحقق الطمأنينة، وليس مجرد تصريح لفظي."

ياسر قاطع بحماس:

— "تمامًا! وكأن الله يخبرنا أن الدخول لا يكون بمجرد كلمة، بل بتهيئة الجو المناسب، وإشعار أهل البيت بالأمان قبل دخولك عليهم."

وتذكرت موقفًا آخر:

— "مرة كنت في سفر وزرت صديقًا لم أره منذ سنوات، وعندما وصلت إلى منزله، لم أكتفِ بأن أطرق الباب وأقول: (أنا عند الباب). بل أرسلت له رسالة أولًا، وقلت له إنني قريب وأحب أن أراه متى يناسبه. ثم عندما وصلت، وقفت بعيدًا عن الباب حتى خرج هو بنفسه لاستقبالي. شعرت حينها أنني لم أزعجه، وأن اللقاء كان أكثر ودًا."

وهذا ما قصدته الآية بالضبط: ليس الهدف أن تطلب الدخول فقط، بل أن تجعل دخولك مقبولًا، مألوفًا، وغير مفاجئ.

كيف يعكس هذا التعبير أخلاقيات الإسلام؟

بدأنا نتأمل أكثر في هذه الفكرة، وربطها بأخلاقيات الإسلام في التعامل الاجتماعي.

أحمد قال وهو يبتسم:

— "تخيلوا لو أن كل شخص تطبق هذه القاعدة في حياته اليومية، كم سيكون العالم أكثر راحة وسلامًا!"

ياسر أضاف:

— "حتى في الاتصالات الهاتفية اليوم، نفس القاعدة تنطبق! لا تتصل بشخص فجأة ثم تلومه لأنه لم يرد، بل أرسل له رسالة أولًا، اجعل التواصل بينكما طبيعيًا وليس اقتحاميًا!"

ضحكنا جميعًا، لأننا أدركنا أننا نعيش في عالم يفتقر أحيانًا إلى هذه الأخلاقيات، حيث يظن البعض أن مجرد الإعلان عن وجودهم كافٍ لدخول حياة الآخرين، سواء كان ذلك عبر الأبواب أو حتى عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.

هل الاستئناس يعني أكثر من الاستئذان؟

قبل أن ننهي جلستنا، طرحنا سؤالًا أخيرًا:

— "هل يمكن أن نقول إن الاستئناس يشمل الاستئذان ولكنه أعمق منه؟"

وهنا اتفقنا جميعًا:

  • الاستئذان هو جزء من الاستئناس، لكنه إجراء شكلي.
  • أما الاستئناس فهو حالة نفسية واجتماعية تجعل الطرف الآخر مستعدًا لاستقبالك دون توتر أو إزعاج.
  • لذلك، عبّر القرآن بكلمة "تستأنسوا" لأنها تحمل المعنى الأشمل الذي يجمع بين الأدب، واللطف، واحترام خصوصية الآخرين.

قبل أن نغادر، قال أحمد ممازحًا:

— "إذن، لا يكفي أن تستأذن لتدخل إلى قلبي، عليك أن تستأنس أولًا!"

ضحكنا جميعًا، لكننا أدركنا أن هذه الجملة تلخص الفكرة تمامًا: في كل علاقاتنا، سواء كانت زيارة منزل، أو مكالمة هاتفية، أو حتى علاقة صداقة، لا يكفي أن نطلب الإذن، بل علينا أن نجعل الآخرين يأنسون بنا قبل أن نكون جزءًا من حياتهم.