هل يقدم الاجماع على الكتاب والسنة؟ فهم الإجماع في الفقه الإسلامي
هل يقدم الاجماع على الكتاب والسنة؟ فهم الإجماع في الفقه الإسلامي
في الفقه الإسلامي، الإجماع يعد أحد المصادر الرئيسية التي يعتمد عليها الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية. لكن السؤال المهم هنا هو: هل يقدم الإجماع على الكتاب والسنة؟ هذا السؤال يتطلب فهماً دقيقاً للمفاهيم الشرعية وكيفية تفاعل النصوص الدينية مع الاجتهاد البشري. في هذا المقال، سأحاول الإجابة على هذا السؤال بشكل مفصل وواضح.
ما هو الإجماع؟
الإجماع في اللغة يعني الاتفاق أو التوافق. أما في الشريعة الإسلامية، فيقصد به اتفاق العلماء من أهل الفقه في عصر معين على حكم شرعي بشأن مسألة معينة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. الإجماع هو مصدر من مصادر التشريع بعد الكتاب (القرآن) و السنة.
الفرق بين الإجماع والاختلاف
عندما نتحدث عن الإجماع، من المهم أن نفهم أنه لا يعني التوافق على كل شيء، بل يتعلق فقط بالمسائل التي لم يوجد فيها نص صريح في القرآن أو السنة، وبالتالي تم الاستناد إلى رأي العلماء في المسألة.
هل يمكن للإجماع أن يُقدم على الكتاب والسنة؟
الإجابة على هذا السؤال قد تكون معقدة قليلاً، لذا دعني أشرح لك من خلال تقسيم المسألة إلى نقاط رئيسية.
1. الإجماع لا يتجاوز النصوص الثابتة
في الإسلام، الكتاب والسنة هما المصدران الأوليان للتشريع. إذا كان هناك نص صريح من القرآن أو حديث صحيح يتعلق بالمسألة، فإن الإجماع لا يُقدم عليه. على سبيل المثال، حكم الصلاة أو الصيام منصوص عليه في القرآن والسنة، وبالتالي لا يمكن للعلماء أن يغيروا هذا الحكم بناء على اجتهاداتهم أو إجماعهم.
مثال شخصي: عندما كنت أدرس فقه العبادات، كان أحد أساتذتي دائمًا ما يكرر أنه لا يجوز للعلماء أن يتفقوا على شيء يعارض نصًا صريحًا في القرآن أو السنة. في أحد الأيام، سألت أحد زملائي حول مسألة جديدة ظهرت، وأجابني: "إذا كان هناك نص ثابت، فالإجماع لا يكون له مكان."
2. الإجماع كمرجع للمسائل غير الواضحة
ولكن في المسائل التي لا يوجد فيها نص صريح أو التي تظهر مع تطور الزمان والمكان، يمكن الإجماع أن يكون مرجعية قوية. على سبيل المثال، في بعض القضايا المعاصرة مثل التكنولوجيا الحديثة أو المعاملات الاقتصادية، قد لا تكون هناك نصوص مباشرة تتعلق بها في الكتاب أو السنة، وهنا يأتي دور العلماء في الاجتهاد للوصول إلى حكم شرعي، ويتم الاتفاق عليه بالإجماع.
3. الاختلاف حول تقديم الإجماع على الكتاب والسنة
هناك اختلاف بين الفقهاء حول تقديم الإجماع في بعض الحالات. بعض العلماء يقولون إن الإجماع يمكن أن يُقدّم في حالات معينة إذا كان الاجتهاد الجماعي يعكس فهمًا عميقًا للواقع. لكن، بشكل عام، الكتاب والسنة يظلان المصدرين الأسمى.
هل يمكن أن يكون الإجماع ملزمًا؟
هنا يأتي السؤال التالي: هل يجب على المسلمين الالتزام بالإجماع؟
1. الإجماع كحجة ملزمة
في كثير من الحالات، يعتبر الإجماع حجة قوية وملزمة، خاصة عندما يتفق علماء الأمة على مسألة معينة. لكن يجب أن نكون حذرين؛ إذا كان هناك من يخالف هذا الإجماع مع وجود أدلة شرعية قوية تدعمه، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه يكون باطلاً. كما حدث في بعض المسائل الفقهية حيث اختلف العلماء، لكن بعض المذاهب اعتمدت على الأدلة الخاصة بها.
2. الاجتهاد الشخصي في ظل الإجماع
من جهة أخرى، يتاح الاجتهاد الشخصي في ظل الإجماع. على سبيل المثال، إذا كان العلماء قد اتفقوا على مسألة معينة بناءً على فهمهم، لكن شخصًا آخر يرى أنها قد تكون قابلة للتغيير بناءً على فقه جديد أو واقع معاصر، فقد يكون له حق الاجتهاد وفقًا لدليل شرعي قوي.
خلاصة القول: الإجماع لا يتجاوز الكتاب والسنة
هل يقدم الإجماع على الكتاب والسنة؟ في النهاية، يجب أن نفهم أن الإجماع لا يُقدّم على الكتاب والسنة، ولكنه يعد مصدرًا شرعيًا قويًا في حالة غياب النصوص الصريحة. إذا كانت المسألة منصوصًا عليها في القرآن أو السنة، فلا يجوز للعلماء تغيير هذا الحكم بناء على الإجماع. لكن في المسائل التي لا توجد فيها نصوص واضحة، يكون الإجماع مرجعًا مهمًا للاجتهاد.
بناءً على ذلك، الإجماع يمثل جزءًا أساسيًا من الشريعة الإسلامية، ولكن يبقى دائمًا الكتاب والسنة المصدرين الأسمى في التشريع.