هل يجوز للأم أن ترضع ابنها البالغ؟ بين الفقه والعقل

تاريخ النشر: 2025-02-23 بواسطة: فريق التحرير

هل يجوز للأم أن ترضع ابنها البالغ؟ بين الفقه والعقل

لا زلت أذكر ذلك اليوم عندما كنا جالسين في إحدى الجلسات العائلية، وطرحت إحدى القريبات سؤالًا أثار جدلًا كبيرًا:

"هل يجوز للأم أن ترضع ابنها البالغ؟"

ساد الصمت للحظات، قبل أن تبدأ التعليقات تتطاير من كل زاوية. البعض ضحك معتبرًا الأمر مستحيلًا، بينما حاول آخرون تحليل المسألة من منظور ديني وعلمي. لكن وسط هذا الجدل، أدركت أن القليل جدًا منا لديه إجابة واضحة تستند إلى الفقه الإسلامي والنقاش العقلاني.

لذا، في هذا المقال، سنستعرض هذه المسألة بحياد ووضوح، ونناقش الأبعاد الدينية، الطبية، والاجتماعية المرتبطة بها.

أصل السؤال: لماذا يُطرح هذا الموضوع؟

قد يبدو السؤال غريبًا للبعض، لكنه في الحقيقة يستند إلى مسألة فقهية قديمة ناقشها العلماء في سياقات مختلفة.

بشكل عام، الرضاعة الطبيعية في الإسلام لها أحكام خاصة تتعلق بمسألة المحرمية. فوفقًا للآية الكريمة:

"وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة" (النساء: 23)

تعتبر الرضاعة وسيلة لنشوء علاقة محرمية بين الرضيع والمرضع، بحيث يصبح الطفل بمثابة ابن لها في التحريم. لكن هذه الأحكام تتعلق عادة بالطفل الصغير، فماذا عن الابن البالغ؟

رأي الفقهاء: هل يجوز للأم أن ترضع ابنها البالغ؟

علماء الفقه اختلفوا حول إرضاع الكبير، لكن يجب التمييز هنا بين إرضاع الطفل الصغير الذي لم يفطم بعد، وبين إرضاع الكبير بعد سن الفطام.

1. رأي جمهور العلماء:

اتفق المالكية، الشافعية، والحنابلة على أن الرضاعة التي تؤثر في التحريم هي فقط ما كان في الحولين الأولين من عمر الطفل. أي أن الرضاعة بعد هذه الفترة لا تُنشئ أي أثر شرعي فيما يتعلق بالمحرمية.

  • قال الإمام الشافعي: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر، ولا يؤثر إرضاع الكبير."
  • وقال ابن قدامة في المغني: "لا يُحرم من الرضاع إلا ما ارتضعه الطفل في الحولين، أما بعد ذلك فلا أثر له في التحريم."

2. رأي الحنفية:

رأي الحنفية لا يختلف كثيرًا عن الجمهور، حيث يرون أن الرضاعة المؤثرة هي فقط خلال السنتين الأوليين، وبعد ذلك لا يُعتبر للرضاعة أي أثر شرعي في التحريم.

3. رأي السيدة عائشة (رضي الله عنها) وقصة سالم مولى أبي حذيفة:

هناك حديث شهير في السنة النبوية حول إرضاع الكبير، حيث ورد أن سالم مولى أبي حذيفة كان يعيش في بيت أبي حذيفة وزوجته سهلة بنت سهيل، وكانوا يعتبرونه كابن لهم. لكن بعد نزول حكم التبني، احتاجوا إلى وسيلة شرعية لبقائه في البيت، فأرشد النبي () سهلة إلى إرضاعه حتى يصبح محرمًا عليها.

لكن هذا الحكم كان حالة خاصة، ولم يُطبّق بشكل عام على جميع المسلمين. لهذا السبب، يرى جمهور العلماء أن هذه رخصة خاصة بسالم وليست قاعدة عامة.

ماذا يقول الطب عن إرضاع الكبير؟

من الناحية الطبية، إرضاع البالغ أمر غير طبيعي، حيث أن جسم المرأة يتوقف عن إنتاج الحليب بعد فترة الفطام إلا في حالات نادرة، مثل:

  • الحمل والولادة من جديد.
  • تحفيز هرمون البرولاكتين بشكل صناعي.
  • حالات اضطرابات هرمونية نادرة.

لكن في الظروف العادية، لا يوجد أي دافع صحي أو طبي يبرر إرضاع الأم لابنها البالغ، بل إنه قد يكون ضارًا نفسيًا واجتماعيًا.

البعد الاجتماعي والنفسي: لماذا يُعد هذا الأمر غير مقبول؟

حتى لو وضعنا الفقه والطب جانبًا، فإن إرضاع الكبير في العصر الحديث أمر مستهجن اجتماعيًا، وقد يؤثر على الصحة النفسية لكلا الطرفين.

  1. انعدام الحاجة الفعلية: في المجتمعات التقليدية، كان الإرضاع مرتبطًا بحاجة الطفل الصغير للتغذية، لكن بعد الفطام لا يوجد أي مبرر لهذا الفعل.
  2. الأثر النفسي: العلاقة بين الأم وابنها البالغ تقوم على الاحترام والرعاية، وليس على الاعتماد الجسدي بهذا الشكل.
  3. العرف والتقاليد: حتى في أكثر المجتمعات انفتاحًا، يعد هذا التصرف غريبًا وغير مقبول.

خلاصة الحكم الشرعي

بعد مراجعة الآراء الفقهية والحديث النبوي، نستطيع تلخيص الحكم في النقاط التالية:

  • إجماع العلماء على أن الرضاعة المؤثرة شرعًا هي فقط خلال أول سنتين من عمر الطفل.
  • إرضاع الكبير لا يترتب عليه أي حكم شرعي في التحريم، أي أنه لا يجعل الابن البالغ محرمًا على المرأة التي أرضعته.
  • حالة سالم مولى أبي حذيفة كانت استثناءً خاصًا وليست قاعدة عامة.
  • من الناحية الطبية والنفسية، لا يوجد أي داعٍ لإرضاع البالغ، بل قد يكون الأمر ضارًا اجتماعيًا ونفسيًا.

هل هذا الموضوع لا يزال مطروحًا اليوم؟

قد يبدو هذا النقاش قديمًا، لكنه يعود للواجهة بين الحين والآخر عندما يُساء فهم بعض النصوص الفقهية أو يُثار الجدل حول مسألة المحرمية. لذا من المهم الرجوع إلى الفقهاء المعتبرين وتفسير النصوص في سياقها الصحيح.

إذا كنت قد سمعت هذا السؤال من قبل، أو دار نقاش حوله في محيطك، فالأفضل أن توضح الأمور استنادًا إلى العلم الشرعي والمنطق السليم، بعيدًا عن التفسيرات الخاطئة أو المبالغات الإعلامية.

وفي النهاية، الدين الإسلامي جاء ليحقق المصلحة ويحفظ الفطرة السليمة، ولا يمكن أن يأمر بشيء يخالف العرف السليم أو يؤثر سلبًا على الإنسان نفسيًا أو اجتماعيًا.