هل يفكر الحمار؟ بين الذكاء الفطري وسوء الفهم الشائع

تاريخ النشر: 2025-02-23 بواسطة: فريق التحرير

هل يفكر الحمار؟ بين الذكاء الفطري وسوء الفهم الشائع

أتذكر بوضوح ذلك اليوم في القرية عندما كنت صغيرًا. كان جدي يملك حمارًا رمادي اللون يُدعى "سعيد". كنت أراقبه دائمًا بإعجاب، فقد كان جدي يعتمد عليه في كل شيء: من حمل الحطب إلى التنقل بين الحقول. ذات يوم، حاول ابن عمي الصغير إجبار الحمار على عبور مجرى مائي، لكنه توقف فجأة، رافعًا أذنيه وكأنه يحسب الأمور جيدًا.

ابن عمي (بغضب): "لماذا لا يتحرك؟ إنه عنيد!"
جدي (ضاحكًا): "ليس عنيدًا يا بني، بل ذكي! إنه يفكر إن كان العبور آمنًا أم لا."

كانت هذه أول مرة أفكر فيها: هل يفكر الحمار حقًا؟ أم أنه مجرد رد فعل غريزي؟

هل الحمار غبي حقًا؟ أم أنه مظلوم؟

لطالما ارتبط الحمار في ثقافتنا بالغباء، حتى أن كلمة "حمار" تُستخدم أحيانًا كإهانة، ولكن هل هذا صحيح؟ الحقيقة أن الدراسات الحديثة تنفي تمامًا هذه الصورة النمطية.

وفقًا لدراسة أجرتها جامعة كامبريدج، فإن الحمير تمتلك ذاكرة قوية للغاية، لدرجة أنها تستطيع تذكر الطرق والأماكن التي مرّت بها قبل سنوات.
دراسة أخرى من جامعة بورتسموث أثبتت أن الحمير تتعلم المهام بسرعة تفوق بعض الخيول، لكنها تفكر بحذر قبل التصرف، وهو ما يجعلها تبدو بطيئة أو "عنيدة".

بمعنى آخر، الحمار لا يندفع بلا تفكير، بل يتخذ قرارات بناءً على خبراته السابقة.

تجربة شخصية: كيف تعلمت احترام ذكاء الحمار؟

مرت سنوات على ذلك اليوم في القرية، لكنني عدت إلى التفكير في الحمار عندما كنت أسافر في منطقة جبلية في المغرب. كان هناك دليل سياحي يمتلك حمارًا يستخدمه لنقل الإمدادات عبر الممرات الوعرة. لاحظت أن الحمار كان يتوقف أحيانًا دون سبب واضح، وعندما سألته قال لي بابتسامة:

الدليل: "الحمار يرى الطريق أفضل منا، إنه يعرف أين الخطورة حتى لو لم نرها."

وبالفعل، بعد لحظات، أدركنا أن المسار الذي كنا نخطط لعبوره كان زلقًا بسبب أمطار الليلة الماضية. لو كنا تجاهلنا "عناد" الحمار، لربما تعرضنا لمشكلة خطيرة!

كيف يفكر الحمار؟

1. الذاكرة القوية

من المثير للدهشة أن الحمير تستطيع تذكر الطرق والمسارات حتى بعد عدة سنوات. في بعض القرى، يُترك الحمار يسير وحده إلى السوق ثم يعود بنفسه دون أي توجيه!

2. اتخاذ القرارات بناءً على الخبرة

على عكس الخيول، لا يندفع الحمار نحو المجهول. إذا شعر بالخطر، سيتوقف حتى لو حاول صاحبه إجباره على التحرك.

3. القدرة على التعلم

أجرت جامعة دبلن تجربة حيث تم تدريب الحمير على فتح الأبواب للحصول على الطعام، ووجد الباحثون أن معظم الحمير تعلمت الحيلة أسرع من الكلاب!

4. التفاعل العاطفي

يعتقد الكثيرون أن الحمير كائنات بلا مشاعر، لكن الحقيقة أن الحمير تستطيع التعرف على أصحابها، وتظهر علامات الحزن أو الفرح عند رؤيتهم. في بعض الحالات، وُجد أن الحمار يُظهر علامات الاكتئاب إذا فقد صاحبه المفضل.

لماذا نعتقد أن الحمار غبي؟

إذن، إذا كان الحمار ذكيًا بهذا الشكل، لماذا يُصر المجتمع على اعتباره غبيًا؟ هناك عدة أسباب:

1⃣ بطء الاستجابة: عندما يُطلب من الحمار فعل شيء، فإنه لا يندفع مباشرة بل يُفكر أولًا، مما يجعل البعض يظن أنه "لا يفهم".
2⃣ العناد الظاهري: الحمار لا يفعل شيئًا ضد قناعاته، مما يجعل الناس يرونه عنيدًا.
3⃣ الاستخدام اللغوي: مع مرور الزمن، أصبحت كلمة "حمار" مرادفة للغباء، حتى لو لم يكن لذلك أي أساس علمي.

هل يمكن تغيير هذه الفكرة الخاطئة؟

في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدراسات العلمية تعيد الاعتبار للحمار، حتى أن بعض الباحثين يطالبون بإعادة النظر في كيفية معاملته. في بعض الدول الأوروبية، يتم الآن استخدام الحمير في العلاج النفسي للأطفال، حيث أثبتت الأبحاث أن الحمير قادرة على تهدئة الأطفال الذين يعانون من التوتر والقلق.

خلاصة القول: هل يفكر الحمار؟

الجواب ببساطة هو: نعم، الحمار يفكر، لكنه يفكر بطريقته الخاصة. ليس غبيًا، بل حذرًا، متأنيًا، وذا ذاكرة قوية. وإذا توقف الحمار عن التحرك، فربما علينا نحن البشر التوقف للحظة أيضًا، والتفكير كما يفكر هو!

ربما في المرة القادمة التي ترى فيها حمارًا، ستنظر إليه بطريقة مختلفة. فمن يدري؟ ربما هو الذي يفكر فينا، وليس العكس!