هل الله يبتلي العبد لأنه يحبه؟ تأملات في الفهم الشخصي والروحانيات
هل الله يبتلي العبد لأنه يحبه؟ تأملات في الفهم الشخصي والروحانيات
أذكر جيدًا أول مرة طرح عليّ أحد الأصدقاء هذا السؤال العميق: "هل الله يبتلي العبد لأنه يحبه؟" كنت في جلسة مع بعض الأصدقاء، نتبادل الحديث عن حياتنا، عن التحديات التي نمر بها، ثم جاء السؤال فجأة، كأنما هو قنبلة فكرية. نظرت إليهم جميعًا، وكل واحد فينا يحمل همومه وأوجاعه. لكنني، في تلك اللحظة، شعرت وكأنني سأتعلم شيئًا جديدًا عن مفاهيمنا الروحانية، وهذا السؤال كان بمثابة دعوة لفهم أعمق لما تعنيه البلية في حياتنا.
كان من الواضح أن كل واحد منّا كان يمر بفترة صعبة. لكن هل البلوى التي نعيشها هي اختبار من الله، أم أنها تعبير عن حبه لنا؟ هذا هو السؤال الذي استمر يراودني طيلة الوقت.
البلوى والحب الإلهي: هل هناك علاقة؟
في البداية، لا يمكن إنكار أن فكرة البلوى والابتلاءات جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية. وكل واحد منا قد مر أو سيمر بتجربة صعبة في حياته، من فقدان عزيز، إلى فقدان الوظيفة، أو مرض مفاجئ، أو حتى الصعوبات المالية. حين نمر بهذه اللحظات، غالبًا ما نبدأ بالتساؤل: لماذا يحدث هذا لي؟ هل هو عقاب؟ هل الله غاضب علي؟
لكن، في لحظة تأمل، بدأت ألاحظ أن البلوى لا تأتي دائمًا من مكان سلبي. وفي تلك اللحظة، تذكرت حديثًا قرأته منذ فترة عن الابتلاءات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم" (رواه الترمذي). هنا، بدأ المعنى يتشكل في ذهني: قد يكون الابتلاء في الحقيقة علامة من الله على حبه، وليس من باب العقاب.
لحظات من حياتي: تجارب شخصية مع الابتلاء
أخذتني الذكريات إلى أيام كان فيها شعور الحزن يلتهمني. كان والدي مريضًا لعدة أشهر، وفي تلك الفترة، كنت أجد نفسي في حالة من الشك والقلق، هل هذا عقاب من الله؟ هل أنا مقصر؟ ولكن في لحظة من اللحظات، وبينما كنت جالسًا بجانبه في المستشفى، أدركت شيئًا عميقًا.
لاحظت أن الابتلاء لم يكن من أجل إيذائنا، بل هو فرصة لنا للنمو الروحي والتقرب إلى الله. كان هذا الاختبار، رغم قسوته، يفتح لي أبواب الدعاء والرجوع إلى الله. وفي تلك اللحظات الصعبة، كنت أشعر بقوة أعمق في إيماني، كأن الله يهديني خلال العواصف. كان هذا الارتباط الروحي يزداد كلما صبرت، وكلما واجهت التحديات.
تجارب الآخرين: تفسيرات متنوعة للبلاء
بعد تلك التجربة الشخصية، كنت في أحد الأيام أتحدث مع صديقي أحمد، الذي مر بتجربة مشابهة مع فقدان أحد أحبائه. "هل الله يحبني أكثر عندما يبتليني؟" سألته. وأجاب قائلاً: "في البداية، كنت أظن أن البلاء يعني أن الله غاضب عليّ. ولكن عندما بدأت أفهم كيف يختبرنا الله، أدركت أن هذه هي فرصتنا للاقتراب منه أكثر."
كان حديثه يعكس فهمًا عميقًا. فكما قال الإمام الغزالي، "الابتلاء طريق إلى النعيم". هذه الفكرة بدأت تنمو في قلبي. بلاء الله ليس عقابًا، بل هو اختبار لتقوية علاقتنا به. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله عبدًا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن جزع فابتلاه." كان هذا الحديث بمثابة مفتاح لفهم ما يمر به المسلم خلال الابتلاءات.
هل الابتلاء اختبار لزيادة الأجر؟
في الجلسة نفسها، كنت أفكر في فكرة أن الابتلاء قد يكون وسيلة لزيادة الأجر. في الإسلام، هناك حديث آخر يقول: "ما من مسلم يصيبه همٌّ ولا حزنٌ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه." هذا الحديث لفت انتباهي، لأن في هذا البلاء هناك تطهير للنفس من الخطايا، وفرصة للتكفير عن الذنوب.
أحيانًا، نتعجل في التساؤل عن سبب ما نمر به، ولكن الحقيقة أن هناك حكمًا قد لا نراها في اللحظة. فالله، في حبه لنا، لا يتركنا في معركة الحياة دون أن يكون هناك دروس نتعلمها، وجوائز نحصل عليها. بل وأكثر من ذلك، نجد الراحة والسلوى في الصبر على ما يصيبنا.
بعض التحديات في الفهم
في بعض الأحيان، تكون الإجابة على هذا السؤال معقدة. هل الله يبتلينا لأننا نحبه؟ أم أن البلوى قد تكون أيضًا نتيجة لظروف الحياة أو من صنع أيدينا؟ يمكن القول إن ابتلاء الله لعباده هو نوع من المحبة الإلهية التي تهدف إلى تنقية قلوبنا، وزيادة إيماننا. ولكن، هناك دائمًا مجال للشكوك والتساؤلات: ماذا لو كانت البلوى لا تعني الحب، بل مجرد اختبار عادل؟
أثناء حديثي مع أحد أصدقائي الذي مرّ بتجربة صعبة جدًا، تساءل: "إذا كان الله يحبنا حقًا، لماذا يسمح لنا بالتعرض للألم؟" كان من الصعب الإجابة بشكل قاطع. لكنني فكرت أن الألم قد يكون أحيانًا هو الذي يجعلنا نفيق من غفلتنا، ونتذكر الله أكثر. فهو يفتح لنا أبواب الرضا بالقضاء والقدر.
الخلاصة: الحب الإلهي في البلاء
في النهاية، إذا كان الله يبتلي العبد لأنه يحبه، فذلك ليس بالمعنى البسيط والمباشر الذي نراه. إنما هو ابتلاء يمتحن صبرنا، ويقوّي إيماننا، ويجعلنا نعود إلى الله بشكر واعتراف بفضله. كما أن الابتلاء ليس دائمًا علامة على الغضب، بل قد يكون دليلاً على محبة الله ورغبته في تصفية قلبنا من الشوائب.
وإذا مررت ببلاء، تذكر أن هذه مرحلة من مراحل حياتك التي ستنقلك إلى مكان أعلى في إيمانك، وتمنحك فرصة لفهم أعمق لرحمة الله وحكمته.