هل الكذبة البيضاء حلال؟ تعرف على حكمها في الإسلام
هل الكذبة البيضاء حلال؟ تعرف على حكمها في الإسلام
حسنًا، الكذبة البيضاء. من منا لم يمر بمواقف شعر فيها بأن "الكذبة البيضاء" قد تكون الحل الأنسب؟ شخصياً، مررت بتجربة مماثلة حين كنت في موقف محرج مع أحد الأصدقاء، وتساءلت: هل هذه الكذبة صغيرة تُعتبر حلالاً؟ هل يمكنني تبريرها لأنها "لن تؤذي أحدًا"؟ لكن، مع مرور الوقت، بدأت أفكر أكثر في هذا الموضوع. في هذا المقال، سأحاول أن أستعرض معك حكم "الكذبة البيضاء" في الإسلام وما إذا كان يجوز القول بها في بعض المواقف.
الكذبة البيضاء: هل هي فعلاً كذبة؟
أولًا، علينا أن نوضح ما المقصود بـ "الكذبة البيضاء". الكذبة البيضاء هي كذبة تُقال بنية تجنب إيذاء مشاعر شخص آخر أو لتفادي موقف محرج. مثلاً، عندما تُسأل إذا كان شخص ما قد أعجب بك أو هل تحب الهدية التي تلقيتها، وأنت لا تريد أن تُجرح مشاعر أحد، فتجيب بإجابة غير حقيقية ولكنها خفيفة.
لماذا نسميها "بيضاء"؟
نحن نسميها "بيضاء" لأنها تُعتبر كذبة غير ضارة، بمعنى أنها لا تهدف إلى التسبب في ضرر أو إيذاء. هي نوع من أنواع الكذب الذي يُقال بهدف الحفاظ على السلام الاجتماعي أو لتجنب الحرج.
لكن، في رأيي، من المهم أن نتساءل: هل يمكن أن نبرر الكذب تحت هذه الذريعة؟ وهل يعفي هذا التصنيف من أن تكون الكذبة غير جائزة في الإسلام؟
هل الكذبة البيضاء حلال في الإسلام؟
الآن نصل إلى الجزء الأهم، وهو حكم الكذبة البيضاء في الإسلام. الحقيقة أن هذا الموضوع محل نقاش بين العلماء، ولكن بناءً على ما قرأته في العديد من المصادر الدينية، الكذب بشكل عام محرم في الإسلام، حتى لو كان بهدف "الرحمة" أو "تجنب الأذى".
رأي العلماء في الكذب بشكل عام
بالنسبة لمعظم العلماء، الكذب في الإسلام محرم بكل أشكاله، باستثناء الحالات التي تُعتبر ضرورة مثل حماية النفس أو في حالة الحرب. لكن، الكذب بنية تجنب الحرج أو الحفاظ على مشاعر الآخرين ليس مبررًا كافيًا. النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال في حديثه الشريف: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار". إذاً، من هنا نجد أن الكذب، بغض النظر عن حجته، ليس أمرًا مستحبًا.
لكن ماذا عن الكذبة البيضاء؟
أما بالنسبة للكذبة البيضاء، فالرأي السائد هو أنه من الأفضل تجنبها، رغم أن هناك بعض العلماء الذين قد يرون أن بعض المواقف تستدعي ذلك، خاصة إذا كان الهدف هو الحفاظ على العلاقات الاجتماعية أو تجنب الوقوع في حرج. لكن هذا ليس تبريرًا للقيام بها بشكل متكرر أو تحت أي ظرف.
أذكر مرة أنني كنت في اجتماع مع بعض الأصدقاء، وطلب مني أحدهم رأيي في هدية قدمها له شخص آخر. لم أكن أحب الهدية على الإطلاق، ولكن خوفًا من أن يجرح مشاعر الشخص الذي قدمها، أخبرته بأنها رائعة. عندها شعرت بشيء من الذنب. ماذا لو كنت قد أخبرته بالحقيقة بشكل لطيف؟ هل كان سيشعر بالحزن؟ بالطبع، في النهاية، أعتقد أن النية كانت جيدة، ولكن هذا لا يعني أن الكذبة كانت صحيحة.
هل هناك مواقف يُسمح فيها بالكذب؟
في الحقيقة، في الإسلام، هناك مواقف محددة يُسمح فيها بالكذب، مثلما في حالة إصلاح بين المتخاصمين أو في بعض حالات الحرب كما ذكرنا سابقًا. في هذه الحالات، يكون الكذب جزءًا من التوجيهات التي تهدف إلى المصلحة العامة أو الخاصة في إطار معين. لكن، هل الكذبة البيضاء تندرج ضمن هذه الحالات؟ على الأرجح لا.
الكذب في إصلاح ذات البين
النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس"، ويُقصد بذلك أنه إذا كان الكذب سيُسهم في إصلاح علاقة أو تهدئة الأوضاع بين الناس، فقد يُسمح به في بعض الحالات. ولكن، ينبغي أن يكون الهدف هو الإصلاح، وليس التلاعب بالمشاعر أو إخفاء الحقائق.
الختام: هل يمكننا تبرير الكذبة البيضاء؟
بصراحة، بعد التفكير في كل هذه النقاط، أعتقد أنه من الأفضل تجنب الكذبة البيضاء كلما أمكن ذلك. إذا كانت النية هي تجنب الحرج أو إيذاء مشاعر الآخرين، يمكننا دائمًا التفكير في طرق أخرى للرد بلطف، دون اللجوء إلى الكذب.
في النهاية، الإسلام يعلّمنا أن نكون صادقين في أقوالنا وأفعالنا، وإذا كان بإمكاننا تجنب الكذب في أي ظرف، فهذا أفضل. ولكن، إذا كانت هناك حالة استثنائية تستدعي ذلك، فلا بأس بشرط أن نكون حريصين على أن لا يتسبب الكذب في ضرر أكبر.
صحيح أن الكذبة البيضاء قد تبدو غير ضارة، ولكن في الإسلام، الصدق هو الطريق الأنسب لنا جميعًا.