هل الذي لا يصلي لا تُقبل أعماله؟

تاريخ النشر: 2025-02-25 بواسطة: فريق التحرير

هل الذي لا يصلي لا تُقبل أعماله؟

الصلاة... الركن الثاني من أركان الإسلام، والعبادة التي تُقام خمس مرات في اليوم، فلا عجب أن تُثار حولها الكثير من الأسئلة الجوهرية، خاصة فيما يتعلق بمصير أعمال من لا يصلي. هل تُقبل صدقاته؟ هل يُكتب له أجر صيامه؟ هل حسناته تذهب هباءً؟

إنها أسئلة تدور في أذهان الكثيرين، سواء كانوا ممن يُصلّون بانتظام أو ممن يمرّون بفترات فتور روحي، وربما يخشون أن تكون أعمالهم غير ذات قيمة إن لم يلتزموا بالصلاة.

الصلاة: عمود الدين وأساس القبول

جاء في الحديث الشريف عن النبي :

"إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ مِن عملِه صلاتُه، فإنْ صلَحَتْ فقدْ أفلَحَ وأنجَحَ، وإنْ فَسَدَتْ فقد خابَ وخَسِرَ." (رواه الترمذي)

هذا الحديث وحده يكفي ليدرك الإنسان أهمية الصلاة في ميزان أعماله، فهي ليست مجرد عبادة عادية، بل أساس قبول باقي الأعمال. فإذا كانت الصلاة صحيحة ومقبولة، فهناك أمل كبير أن تُقبل بقية الأعمال، وإذا كانت الصلاة مهدورة أو غير قائمة، فالأمر يصبح أكثر خطورة.

ماذا يعني "لا تُقبل أعماله"؟

حينما يُقال إن أعمال من لا يصلي لا تُقبل، فالأمر يحتاج إلى توضيح. العلماء فسروا ذلك على معنيين:

  1. عدم القبول التام (بمعنى انعدام الثواب): أي أن الشخص الذي لا يُصلّي قد لا ينال أجر أعماله الأخرى كما ينبغي، لأن الأساس الذي تُبنى عليه هذه الأعمال مفقود.

  2. عدم القبول الكامل مع احتمال الأجر: بمعنى أن الأعمال قد تُكتب له لكن بنقصان، فالله أكرم وأرحم من أن يُهدر كل عملٍ صالح يقوم به الإنسان، ولكن هناك تفاوت في القبول بين من يُصلّي ومن لا يُصلّي.

وهنا يتجلى الفرق بين "قبول الصحة" و"قبول الثواب". فقبول الصحة يعني أن العمل صحيح من الناحية الفقهية، أما قبول الثواب فهو الدرجة الكاملة من القبول التي ينال بها العبد الأجر الكامل.

هل تنفع الصدقة والصيام لمن لا يصلي؟

هناك من يجتهد في الصدقة، أو يصوم رمضان، ولكنه لا يُصلّي. فهل هذه الأعمال تُحسب له؟

  • الصدقة: من أعظم الأعمال في الإسلام، لكن حين يغيب الأساس (الصلاة)، فإن الأجر قد يكون غير مكتمل. فمنطق الإسلام واضح: كيف يتقرب العبد إلى الله بشيء ويهمل أول ما طلبه منه؟
  • الصيام: الصيام عبادة عظيمة، لكن كيف يكون الصوم مقبولًا إذا كان الشخص لا يلتزم بالركن الأهم بعد الشهادتين؟ الصيام بدون صلاة يُشبه بناء بيت بلا أساس قوي.

ورغم ذلك، لا يُقال لمن يتصدق أو يصوم رغم تركه للصلاة "توقف عن فعل الخير"، بل العكس تمامًا، فقد تكون تلك الأعمال طريقًا لعودته إلى الصلاة.

هل يمكن أن تُغفر ذنوب من لا يُصلّي؟

التوبة باب مفتوح لا يُغلق، والله سبحانه وتعالى كريم رحيم يقبل العبد مهما عاد إليه، لكن بشرط أن تكون التوبة صادقة. فالتوبة من ترك الصلاة لا تكون بالكلام فقط، بل بالبدء في الصلاة والمحافظة عليها.

قال الله تعالى:

"إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" (النساء: 48)

فمن كان يترك الصلاة تكاسلًا أو جهلاً، ثم عاد إليها، فالله واسع المغفرة، بل إن حسناته يمكن أن تمحو ماضيه، كما قال تعالى:

"إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" (هود: 114)

كيف نساعد من لا يُصلّي على العودة؟

بدلًا من تخويف من لا يُصلّي أو الحكم عليه بالهلاك، من الأفضل أن نبحث عن طرق تُعينه على العودة إلى الصلاة بحب، وليس تحت الضغط والخوف فقط. بعض الطرق التي قد تساعد:

  1. التذكير برحمة الله وقربه من عباده.
  2. تعريفه بجمال الصلاة وأثرها في حياة الإنسان.
  3. الدعاء له بصدق، فالهداية بيد الله وحده.
  4. البدء بخطوات صغيرة، مثل صلاة واحدة يوميًا ثم زيادتها تدريجيًا.

الخاتمة: الصلاة مفتاح القبول

الصلاة ليست مجرد فرض، بل هي صلة بين العبد وربه، وهي المفتاح الذي يجعل باقي الأعمال مقبولة ومثمرة. من لا يُصلّي يُعرض نفسه لخطر أن تُرفض أعماله أو أن لا تنال القبول التام. لكن الباب لا يزال مفتوحًا دائمًا، والعودة إلى الله ليست صعبة، بل هي أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان.

فإذا كنت ممن يقيم الصلاة، فاحمد الله على هذه النعمة العظيمة، وإن كنت مترددًا أو متكاسلًا، فتذكر أن أول خطوة نحو الله تكفي ليأخذ بيدك بقية الطريق.