هل كانت الدولة العثمانية صوفية؟ الجانب الروحي المنسي من الإمبراطورية

تاريخ النشر: 2025-06-08 بواسطة: فريق التحرير

هل كانت الدولة العثمانية صوفية؟ الجانب الروحي المنسي من الإمبراطورية

العلاقة بين الدولة العثمانية والتصوف

الدولة العثمانية ما كانت مجرد إمبراطورية توسعية بالسيف والفتوحات، كانت أيضاً كيان ديني وروحي معقد. ومن يسأل: هل كانت الدولة العثمانية صوفية؟ الجواب القصير هو: مو بشكل رسمي، لكن الصوفية كانت جزء لا يتجزأ من نسيجها.

السلطنة دعمت، تسامحت، وأحياناً اعتمدت بشكل مباشر على الطرق الصوفية — خصوصاً في المراحل الأولى من نشأتها.

الطرق الصوفية التي أثرت في الدولة العثمانية

الطريقة البكتاشية وعلاقتها بالإنكشارية

من أشهر الطرق المرتبطة بالدولة العثمانية كانت الطريقة البكتاشية. تأسست على يد حاجي بكتاش ولي، وهي طريقة تميل للمزج بين التصوف وبعض التقاليد الشيعية الباطنية (وهذا خلق توتر لاحقًا، كما راح نشوف).

الغريب إن البكتاشيين كانوا المعلمين الروحيين للإنكشارية – الجيش النخبوي العثماني. كانوا يحضرون طقوسهم، يباركون سيوفهم، ويدعون لهم قبل المعارك. يعني التصوف هنا ما كان مجرد "زهد وذكر"، كان داخل عمق القوة السياسية والعسكرية.

النقشبندية... النفَس السنّي المحافظ

الطريقة النقشبندية دخلت الساحة بقوة لاحقاً، خاصة بعد تراجع البكتاشية. كانوا أكثر قربًا من أهل السنة والجماعة التقليديين، وميلهم للتعليم والفقه جعلهم خيارًا مفضلًا للسلطة العثمانية في فترات معينة.

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني، كانت العلاقة مع النقشبنديين ممتازة، خصوصًا مع صعود التيارات المناهضة للغرب، حيث دعمت النقشبندية الهوية الإسلامية ضد التغلغل الأوروبي.

السلاطين والتصوف: بين المحبة والسياسة

سلاطين صوفيون؟ نعم، وأحياناً بشكل علني

عدد من السلاطين كانوا يميلون للصوفية أو على الأقل يظهرون ذلك. السلطان سليم الأول مثلاً كان يحترم الطرق الصوفية ويحضر بعض المجالس. السلطان سليمان القانوني كتب شعرًا صوفيًا باسم مستعار: "محبي".

وفي بعض الأحيان، كان الانتماء للطريقة الصوفية أداة شرعية تُستخدم لتبرير الحكم أو كسب تأييد الناس في الأناضول أو البلقان.

بس مش دايمًا كان الجو وردي.

صراعات داخلية بسبب التصوف

في القرن التاسع عشر، بدأ بعض السلاطين يشوفون الطرق الصوفية — خصوصًا البكتاشية — كمصدر تهديد. بعد تمرد الإنكشارية سنة 1826، الدولة قامت بإغلاق زوايا البكتاشية واعتبرتها شبه هرطقية.

ففي لحظة، التصوف اللي كان جزء من قلب الجيش العثماني، صار "عدو داخلي".

التصوف في الحياة اليومية العثمانية

الزوايا والتكايا جزء من المشهد اليومي

في إسطنبول والمدن الكبرى، كانت الزوايا الصوفية مثل الكافيهات الروحية. الناس يدخلون، يسمعون ذكر، يشربون شاي، يتحدثون عن الأحوال... وفي نفس الوقت، كانت تُوزّع فيها الصدقات، يُداوى فيها الفقراء، وتُعطى دروس العلم.

وأحياناً، كانت هذه الزوايا هي الملاذ الوحيد للناس البسطاء وسط القسوة اليومية. فيها كانوا يلاقون "الراحة النفسية"، بعيدًا عن السياسة والضرائب والجنود.

الصوفية في الفن والموسيقى

الذِكر، السماع، الإنشاد، كلهم كانوا جزء من الهوية الثقافية العثمانية. الطريقة المولوية، مثلاً، اشتهرت برقص الدراويش الدوّارين — واليوم صارت من رموز السياحة التركية، بس أصلها كان طريق للوصول إلى الله من خلال الموسيقى والحركة.

إذًا... هل كانت الدولة العثمانية صوفية؟

الجواب الواقعي والمعقّد هو: نعم، ولكن ليس بالكامل.
التصوف كان متغلغل في النسيج الديني والاجتماعي والسياسي للدولة، لكن ما كانت "دولة صوفية" بشكل رسمي أو أيديولوجي. السلاطين استخدموه، دعموا بعض طرقه، وحاربوا بعضها.

فإذا كنت تتخيل الدولة العثمانية كجيوش وقلاع فقط، حان الوقت تعيد النظر.
وربما في عمق كل هذا التاريخ السياسي والعسكري، كان صوت صوفي يردد في الزاوية:
"من عرف نفسه، عرف ربه."