هل خلق الله الكون ثم تركه؟ تأملات في المعنى والوجود
هل خلق الله الكون ثم تركه؟ تأملات في المعنى والوجود
هل الله خلق الكون ثم تركه؟
من منا لم يتساءل يومًا: هل خلق الله الكون ثم تركه؟ السؤال عميق ويثير الكثير من النقاشات في عقولنا. قد يبدو في البداية أن الجواب بديهي، ولكن عند التفكير فيه بعمق، تكتشف أنه يتعلق بجوانب فلسفية ودينية معقدة. شخصيًا، كنت قد فكرت في هذا السؤال كثيرًا في أوقات من حياتي، خاصة عندما كنت أمر بفترات من القلق أو البحث عن معنى أعمق للوجود.
علاقة الله بالكون
إذا حاولنا تفسير هذا السؤال في سياق الإيمان الديني، فستجد أن معظم الأديان، خصوصًا الإسلام، تؤمن بأن الله هو خالق الكون والمدبر له. الله لا يترك الكون بعد خلقه، بل هو موجود دائمًا ويشرف على كل ما في الكون. في القرآن الكريم، نجد العديد من الآيات التي تذكر أن الله يدبر شؤون الكون وأنه "إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران: 189).
ما معنى "تركه" في هذا السياق؟
عندما نقول "تركه"، ماذا نعني بذلك؟ هل يعني أن الله خَلَقَ الكون ثم توقف عن التدخل فيه؟ أو هل يعني أن الله لا يتدخل في الأحداث اليومية ولكن يظل قريبًا منا في كل لحظة؟ في الحقيقة، كلمة "تركه" قد تكون غامضة وتحتاج إلى تفسير دقيق.
كيف يتدخل الله في الكون؟
في رأيي، من الواضح أن الله لا "يترك" الكون بمعنى أنه لا يتدخل فيه بعد خلقه. بل الله، وفقًا لمعظم المعتقدات الدينية، يُدبر الكون بيد من لطف ورعاية دائمة. بل في كل لحظة من الزمن، الله يشرف على كل شيء، من أصغر الذرات إلى أكبر النجوم. حتى في الأوقات التي نعتقد فيها أن الكون يسير بشكل عشوائي، يُعتقد أن هناك حكمة إلهية وراء كل شيء.
التجربة الشخصية
أذكر مرةً كنت في رحلة إلى الجبال مع أصدقائي، حيث كنت أشعر بسلامٍ داخلي عميق وأنا أنظر إلى الطبيعة، وفجأة جاء في ذهني السؤال: "هل هذا كله مجرد مصادفة أم أن الله هو من أبدع هذا الجمال؟" كنت أرى في تلك اللحظة أن الكون كله في تناغم، وأنه من غير الممكن أن يكون قد "ترك" بهذا الشكل.
كيف يمكن أن نفهم إدارة الله للكون؟
إدارة الله للكون لا تعني فقط التدخل المباشر في الأحداث الكبرى مثل الخلق أو الحروب أو الأوبئة. بل تشمل كل تفاصيل الحياة اليومية. الله يدير شؤون الكون من خلال قوانين الطبيعة التي خلقها، ولكن تلك القوانين لا تعني غيابه. ببساطة، هو حاضر في كل شيء، سواء في الطبيعة أو في حياتنا اليومية.
تدبير الله لأفعال البشر
ما يعزز فكرة عدم "ترك" الله للكون هو تدبيره لأفعال البشر. الله يُعطي البشر حرية الإرادة، لكنه في الوقت نفسه يعلم ما سيحدث في كل لحظة. لم يتركنا الله لنتصرف بلا هداية، بل أرسل لنا الرسل والكتب السماوية ليرشدونا إلى الطريق الصحيح.
نظرة فلسفية: هل الله يحتاج إلى "ترك" الكون؟
من وجهة نظر فلسفية، السؤال عن "ترك الله" للكون قد يعكس الفكرة السائدة في بعض الفلسفات بأن الكون قد يعمل في "حالة مستقلة" بعد الخلق. لكن الحقيقة أن الوجود لا يمكن أن يكون مستقلاً عن الله. هو دائمًا المصدر الأول لكل حركة ووجود في هذا الكون. فالله ليس فقط خالقًا، بل هو مُدبر وموجه.
الجدل بين الفلسفات الدينية والعلمية
أعتقد أن الجدل بين الفلسفات الدينية والعلمية غالبًا ما يعكس هذا التوتر بين الإيمان بأن الله خلق الكون ثم تركه يدير نفسه وبين الإيمان بأن الله يستمر في تدبيره للكون. العلم يفسر الكون من خلال قوانين الفيزياء، لكن الكثير من الناس يرون أن هذه القوانين نفسها هي من تصميم الله وأنه لا يمكن فهم الكون بشكل كامل دون الإيمان بتدخل الله المستمر.
الخلاصة: الله لا يترك الكون
في النهاية، الجواب على سؤال "هل خلق الله الكون ثم تركه؟" هو لا. الله لا يترك الكون بعد خلقه. هو الحاضر في كل لحظة وفي كل تفصيل صغير. الكون لا يسير وحده؛ بل هو مُدار بحكمة ورحمة إلهية مستمرة. هو الخالق، المدبر، والمُسيطر على كل شيء، لا يغفل عن تفاصيل الكون مهما كانت صغيرة.
لقد علمتنا هذه التأملات أن الكون ليس مجرد شيء مادي يسير وحده، بل هو مكان مليء بحكمة الله، وإدارته التي لا تنتهي.